|
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ما تعاقبةِ الليالي والأيام، الحمد لله عدد الشهورِ والأعوام ، الحمد لله ما فرح صائمُ بصيام، وأفطر مفطرُ لتمام .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له جل عن الشبيه والنظير لا تدركُه الأبصارُ وهو يدركُ الأبصارَ وهو اللطيفُ الخبير، وأشهد أن محمدا عبدُه ورسولُه وأمينُه على وحيهِ وخيرتُه من خلقِه وسفيرُه بيُنه وبين عباده، المبعوثُ بالدينِ القويمِ والمنهجِ المستقيم، أرسله الله رحمةً للعالمينَ وإماما للمتقينَ وحجةً على الخلائقِ أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، اللهُ أكبرُ عدد ما صام صائمُ وأفطر، الله أكبرُ عدد ما هلل مهللُ وكبر، الله أكبر ما هل هلالُ عيدٍ وأقمر، وطلع فجرُ وأسفر، وأيعن غصنُ وأثمر، سبحان من سبحت له السماواتُ وأملاكُها، والنجومُ وأفلاكُها والأرضُ وسكانُها والبحارُ وحيتانُها، والنجومُ والجبالُ والشجرُ الدواب، وكلُ رطبٍ ويابس، وكلُ حيٍ وميت:
(تسبحُ له السماواتُ السبعُ والأرضُ ومن فيهن)
( وإن من شيء إلا يسبحُ بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحَهم، إنه كان حليما غفورا) أيها المسلمون: أيها المسلمون، إنكم في يومٍ تبسمتم لكم فيه الدنيا، أرضُها وسمائُها شمسُها وضيائُها، أنتم في يومِ فرحٍ وسرورٍ وساعاتٍ كطاقات الزهور. صمتم لله ثلاثينَ يوما، وقمتم لله ثلاثين ليله، ثم جئتم اليومَ تسألون اللهَ الرضى والقبول، وتحمدَونه على الإنعامِِ بالتمام. فالحمد لله الذي بنعمتِه تتم الصالحات، الحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله:
(قل فبفضل الله وبرحمته، فبذلك فليفرحوا هو خيرُ مما يجمعون). هذا يومُ يفطرُ المسلمون، هذا يومُ يفرحُ المؤمنون، هذا يومُ تكملوا العدةَ وتكبروا اللهَ على ما هداكم ولعلكم تشكرون. فبارك الله لكم عيدَكم يا أمة الإسلام يا خيرَ أمةٍ أخرجت للناس:
(كنتم خيرَ أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكرِ وتأمنون بالله..) هذه حقيقةِ الأمة وقيمتُها، هذه رُتبتها ومكانتها، أمةُ أخرجت لتكونَ لها الريادة، ولها القيادة، أمةُ أخرجت لتكونَ طليعةً للأمم شهيدةً على الأمم:
(وكذلك جعلناكم أمةً وسطاء لتكونوا شهداء على الناس..) أمةُ لها دورُ خاص، ومقامُ خاص ولها على ذلك حسابُ خاص، أمةُ لها مركزُ القيادةِ الذي لا يأخذُ إدعاءَ، ولا يسلّم إلا لمن يكونُ لهُ أهلا، ولهذا المركزِ تبعاتُه وله واجباتُه. هذه أمتُكم يا أهل الإسلام. الأمة التي جعلها اللهُ خاتمةَ الأمم، كما جعل رسولَها خاتم الرسل، وجعلها شهيدةً على الناس ناطقةً بالكتاب، وارثةً للحق خليفةً في الأرض. هذه أمتُكم الأمةُ الخالدة، الأمةُ الوسط، أمةُ أحمديةَ الملة، عُمريةَ الحكم، صلاحيةُ الجهاد، دستوُرها؛ كتابُ الله، إمامُها؛ حبيبُه، قبلتُها؛ بيتُه، مآبها؛ جنتُه. هذه أمتُكم يا أهل الإسلام. جعلها اللهُ شامةً في جبين الزمان، جعلها خير أمةٍ أخرجت للإنسان، كلام شهدائها بلا تُرجمان، قاتلت معها الملائكةُ يومَ التقى الجمعان. هذه أمتُكم، الأمةُ التي لم يجعلِ اللهُ لها نهجا ولا سمتا إلا الإسلام، أمةُ لم يجعلِ الله لها رسما ولا اسما إلا الإسلام:
(هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدينِ من حرج، ملةَ أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا). أمة َالإسلام، أهل القرآن، أهل الإيمان: وحينما نكونُ في عيدنا هذا أمةً واعيةً لا يحولُ احتفائها بأيامِها السعيدة، وأعيادِها المجيدة عن مراجعةِ ذاتِها وتفقُدها لحالِها، ننظرُ في الأمةِ أين هيَ؟ أين هيَ من هذه المكانة التي لا تصلحُ إلا لها؟ أين هي والمهمة التي لا تقومُ إلا بها؟ أين هي أمتُنا بين الأمم؟ مكانتُها وقيمتُها، دورُها ومهمتُها؟ إن حال الأمةِ اليوم هي الحالُ التي يُرثى لها، فلا ضعفُ المسلمينَ ووهنُهم مما يُرضي الإسلام، ولا هوانُ المسلمينَ على أعداِئهم حتى أصبحت دمائُهم بالمجان مما يُرضي الإسلامِ، ولا قيامُ دويلةِِ إسرائيل في عقرِ دار المسلمينَ مما يُرضي الإسلام، ولا أكلُ الأعداءِ لديارِ المسلمين من حواشيها يُرضي الإسلام، ولا التجزئةُ والتفتتُ الذي عليه الأمة يُرضي الإسلام، ولا التغّربُ الفكري والحضاري ولا التبعيةُ الاقتصاديةُ والسياسيةُ يرضى بها الإسلام. آلا إن الآمر الأمر والخطرَ الأخطر:
هو تحطمُ البناءَ النفسي لإنسان حتى تركزت فيه القابليةُ للهوان، وفقد دورَه الريادي، بل تشكلت مفاهيمُ فكرية تفلسفُ هذا الواقع الذي فقد الريادةَ بل فقد الإرادة. وصلت الأمةُ إلى هذا الوضع بعد أن جربت مُختلفَ الشعارات فارتفعت البراقعُ الكاذبة عن تلك الاتجاهات التي أردتها زيتونةً شرقيةً أو غربية، مالت بها يميناً ويسارا. ومر على وعي الأمةَ وجسمِ الأمة ألوانُ من الطُروحاتِ والانقلابات والثورات والزعامات ثم توالتَ الهزائمُ والنكبات. لقد كبرت أزمةُ الأمة حتى بلغت من الكبرِ عتيا، جربتِ الأمةُ البرامجَ والسياساتِ الأرضيةَ حتى لم يبقى طريقُ من تلكَ الطرقِ إلا ولجت بابهُ ثم اكتوت بنارهِ بما كفاها. وسلكت فجَ التغريبِ حتى أوغلت فيه، ووصلت إلى حد الانصياع لحضارةِ الغربِ وثقافتِه حتى أوصلتها تجاربُ عشراتِ السنين إلى افتضاحِ الفكرِ المتغرب وانكشافِ تهافته. لقد عاشت الأمةُ تغريبا خنق فيها كلَ أصالة وهي تلهثُ وراء التشبهِ بالغربِ وتقلدُه وتقتفي أثرهُ فابتعدت عن هويتِها الأصليةَ وهي تدخلُ جحرَ الضب حتى رأيتَ فئاماً من الأمةِ كثير حالُهم كالذي استهوته الشياطينُ في الأرض حيران، له أصحابُ يدعونَه إلى الهدى ائتنا، قل إن هدى اللهِ هو الهدى، وأمرنا لنسلمَ لربِ العالمين. أمةَ الإسلام: إننا لا يمكنُ أن نفهمَ أسبابَ الهزائمَ المتكررة، والانهيارات في بناءِ الأمة واستمراء الهوانِ والاستسلام إلا إذا عدنا إلى عمق الأمةَ، إلى الفكرِ الذي تحملُه، إلى النهجِ الذي تسير عليه، لنرى حين إذٍ أسباباً لا تُنتجُ إلا هذه النتائجَ المريرة، ولنرى مساربَ ومسارات لا تنتهي إلا إلى هذه الهاويةِ المريعة. لقد لقيتَ الأمةُ ما لقيت وصليت ما صليت يومَ تعددت مصادرُ التلقي بعد أن كان المصدرُ كتابَ الله:
(كتابُ أنزلَ إليك فلا يكن في صدرك حرجُ منه لتنذرَ به وذكرى للمؤمنين).
(يا أيها الناسُ قد جاءكم برهانُ من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا).
فإذا بالأمةِ تمزجُ بين الوحي وأحكامِ البشر. إنها أمةُ ذاتُ أهدافٍ وذاتُ رسالةٍ وذاتُ تاريخ، وعلينا نحنُ أبناءَ هذه الأمة أن لا نسمحَ لأحدٍ أن يسلبَنا شخصيتَنا.
وأن يمليَ علينا منهجَه وقواعدَه في التفكير، فنحنُ لم نخلق لنجرَ من آذاننا.
ولا لنقولَ لأيِ مخلوقٍ- كائنا من كان- سمعنا وأطعنا، ونتركُ خيرةَ اللهِ لنا وندائَه إيانا يوم قال:
(وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبلَ فتفرقَ بكم عن سبيله). ولن نستطيع أن نحرر أرضا ما لم نحرر أنفسَنا وأفكرنا.
شعوبُك في شرقِ البلادِ وغربِها.…......كأصحابِ كهفٍ في عميقِ سباتِ بأيمانهم نوران، ذكرُ وسنةُ........ فما بالُهم في حالك الظلمات
وصلت الأمةُ إلى ما وصلت إليه يوم انطفأت جذوةُ حب النبي صلى الله عليه وسلم
والتفاني في إتباعِه والذبِ عن سنته، وغابَ ما كان حاضراً لدى أصحابِ رسولِ صلى الله عليه وسلم، يومَ قالَ عمرو ابنَ العاصِ رضي الله عنه:
(واللهِ ما ملئتُ عيني من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم منذُ أسلمت إجلالاً له أن أنظر إليه).
يوم كان كلَ صحابيٍ يصدّرُ حديثَه عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قائلاً بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم. فإذا جذوةَ الحماسِ لدينه صلى الله عليه وسلم تخبُ وإذا الالتزامُ بسنتِه يضعفُ وإذا الغيرةُ على نهجِه تتقاصرُ وتتطامنُ، وإذا في الساحةِ مع النهجِ المحمدي مناهج، ومع الهدي المحمدي طروحاتُ وأفكارُ أُخر. وصلت الأمةُ إلى ما وصلت إليه يومَ تلفتَ فيها ندرتُ العلماء الربانيين، الأمناءِ على الجيل
الأوفياءِ للأمة، الآخذينَ بحجزِها أن تقعَ في النار، أو تتيه في متاهاتِ الظلام. العلماء الذين إستشهدَهم اللهُ على أعظمِ شهادة (شهد اللهُ أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط….)، العلماء الذين هم ورثةُ الأنبياء، ورثوا علمَهم وورثوا دورَهم وورثوا مهمتَهم على الأرض، فأصبح العلماء الربانيون العاملون أعز من الكبريتِ الأحمر، وإذا وجدوا وجدَ في الأمةِ من يرميهِم بالحجارة، يتتبعَهم ويثيرُ الفتنةَ من حولِهم، فئامُ من الشاغبين وعلى من؟
على الدعاةِ الهداة، فئامُ ممن إذا قالوا تسمعُ لقولِهم وإذا رأيتَهم تعجبكَ أجسامُهم، فإذا نظرت إلى طروحاتِهم فإذا هي مزاحمةُ الدعاة والتشكيكُ في العلماء الهداة. هؤلاء العلماء أندرُ في الأمةِ من الكبريت الأحمر، فإذا وجدوا فينبغي أن يكون مقرُهم سويداءُ القلوبُ وحدق المقل وأن يبوئوا المكانةَ التي بوئهم اللهُ إياها، فتكونوا أعراضُهم مصانةُ، وحرماتُهم محفوظةُ، ومقامُهم أسماء من مقامِ كلِ أمير، وأعلا من كلِ وزير، وأرفعُ من كلِ مسئول. لأن مقامَهم في الأمة مقامُ محمدُ صلى الله عليه وسلم فيها، إذ هم ورثتُه وحملةُ رسالتِه والداعونَ بدعوتِه، فمن نوقِّر إذا لم نوقِرهم؟ وعلى من نغار إذا لم نغَرعليهم؟ وعن من ننافح إذا لم ننافحِ عنهم؟ ونتولى مسئوليةَ الذبِ عن أعراضِهم وحمايةَ ظهورِهم من خلفِهم، وأن لا يسلموا إلى من أعطوا بسطةً في المقال، أو بسطةً في اليد، أو تمكينا أو سلطانا ليكونَ لهم عليهم قولُ في مقال، أو استطالةُ بكلام، فظلاً عن أن يؤذوا أو يضايقوا، فظلاً عن أن يحجرَ على دعوتِهم أو يضّيقَ على كلمتِهم، أو تصادرَ المهمةُ التي يقومونَ بها في الأمة. إن مقامَ الدعاة ينبغي أن يكونَ محلَ الغيرةَ من كلِ مسلمٍِ يؤمنُ برسالةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ويوقّرُ ورثَته ويغارُ على أتباعِ سنتِه وحملةِ رسالتِه، عارٌ على أمةِ محمد صلى الله عليه وسلم أن ترى أممَ الأرضِ توقرُ كهنتَها ورهبانَها وحاخاماتِها وآياتِها بينما علماء الإسلام تصادرُ الكلمةُ الهادئة والمنطقُ الرشيد والنصحُ لسديد الذي يهدونَه للأمة.
أين معايير المحاكمةَ العادلة لكلامِ العلماء؟ أين معايير التقويمِ الحق لمقال المتكلمين؟ آلا إن الغيرةَ على العلماء والغيرةَ على الدعاة ، أعراضُهم، وسمعتُهم، كلمتُهم ودورُهم بالأمة، كلُ ذلك مسئوليةُ كلُ مسلم يقبسُ من نورِهم ويرجعُ إلى علمِهم ويستنيرُ بدلالتِهم. أما يكفي أن نرى الكثرةَ الكاثرةَ من الناسِ تعيشُ لا تشعروا بأحد، ولا يشعرُ بها احد؟ وأن نرى فئاماً من الناس تعيشُ قبل عصرِها بمراحل؟ حنى إذا أضاءَ للأمةِ شعلةُ هداية يحملُها داعية كان على الأمة كلِها مسئوليةُ إبقائها مضيئة وحمايتُها أن تنطفئ أو تطفئ. إنا إذا نظرنا إلى ما وصلت إليه الأمة رأينا أن من أسبابِ ذلك انطماسِ هويةِ هذه الأمة، هذه الأمةَ الخالدة المتميزة ذات الأصالةِ والنهجِ المستقيم
فإذا أبنائُها ما بين من وقعَ في براثن التشبه للشرقيين أو الغربيين فأتبعوا سننَ من كان قبلَهم. وبين منهومٍ بلذتِه عاكفٍ على صنمِ شهوتِه، فهم ممن يعبدُ اللهَ على حرث. ومنهم من يعيشُ عيشةَ الجاهلية فهو لا يعرفُ من الإسلامِ إلا أسمه معرضا عن التفقه غافلا عن الوحي، ومنهم من جعل ثقافتَه وقلمَه ولسانتَه وبيانَه قذائفَ يدافعُ بها دينَ الله ويهاجمُ بها طلائعَ الإسلام صباح مساء:
( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، آلا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون). ومنهم المتلون حسب منافعِه وأغراضِه:
( وإذا لقوا الذين أمنوا قالوا أمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم)، فهو مع المؤمنين ولي ومع المحبين شجي، ومع العاطلين خلي، لا يستقرُ على حال. اهؤلاء أبناءَ الأمةِ الخالدة، الأمةِ ذات الرسالة؟
لو أسمعوا عمرَ الفاروقَ نسبتَهم………… وأخبروه الرزايا أنكرَ النسبَ من زمزمٍ قد سقينا الناسَ قاطبةً………… وجيلُنا اليومَ من أعدائه شربا
هذه أسبابُ من أسباب أودت بالأمةِ إلى ما وصلت إليه، وأوصلتها إلى القاعِ الذي سقطت فيه.
وإن من أراد أن يصلحَ هذه الأمة فعليه أن يردَها إلى هدي لا إله إلا الله؛ لا إله إلا الله؛ منهجُ حياة لا إله إلا الله؛ في الحاكمية (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). لا إله إلا الله؛ في العلم (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين). لا إله إلا الله؛ في الولاءِ والبراء (إنما وليكم اللهُ ورسولُه والذين أمنوا ). لا إله إلا الله؛ منهجُ حياةٍ مهيمنةٍ على الفكرِ والثقافة، الاقتصادِ والسياسة، السلم والحرب، على كل منحا من مناحي الحياة ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له…). إنه الحل الإسلاميُ لا غيرُه :
هو الذي يهيُ الجوَ الإيجابي والبيئةَ المساعدة لتكوين الفردَ المؤمنَ الذي يشري الحياةَ الدنيا بالآخرة ويشري نفسَه ابتغاءَ مرضاة الله، ويوقنُ أن الرزقَ والأجل والحياة والممات بيد اللهِ وحده. إنه الحلُ الإسلاميُ لا غيره :
هو الذي يعد الأمة الإسلاميةَ للجهاد الحق، ويوفر طاقاتِها الماديةِ والبشرية لحرب عدوها، ويجعلها أمةً من فولاذ لا أمةً من ورقٍ يسهلُ اختراقُها بل تمزيقُها. إنه الحل الإسلاميُ لا غيرُه :
الذي يحررُ الأمةَ من التضليلِ الحزبي، والتخريبِ الفكري والاستبدادِ السياسي والظلمِ الاجتماعي. إنه الحلُ الإسلاميُ لا غيرُه :
الذي ينشأُ الشعب المتماسك وينشأُ فيه وحدةَ الاتجاه، ووحدة الهدف ووحدةَ الشعور حتى يصبحَ كالجسدِ الواحد إذا اشتكى منه عضوُ تداعى له سائرَ الجسدِ بالسهرِ والحمى. إنه الحلُ الإسلاميُ لا غيره :
الذي يزيلُ الهوةَ التي حفرها الاستعمارُ بين الدول الإسلامية بعضِها وبعض فإذا هي قنابلَ موقوتةٍ تنفجرُ بين فينةٍ وأخرى، هذه الحفر وسعتها القومياتُ العلمانيةُ وعمقتها النعراتُ الجاهلية والأنانياتُ الحاكمة. إنه الحلُ الإسلاميُ وحدَه :
الذي يجعل الأمة أهلاً لنصرِ الله وإمدادِه، ويجعلُ ملائكةَ السماء في تأييدها وجنودَ الأرضِ في خدمتِها. إنه الحلُ الإسلاميُ كما أنه الحلُ الصحيح فإنه الحل الوحيد وبدونِه ستظلُ الأمةُ تشرقُ وتغربُ بدون جدوى، تخرج من حفرةٍ لتسقط في هاوية، وستهدر الجهود وتبدد الطاقات وتتوالى تترى الهزائمُ والنكبات، أما جربنا الطروحاتِ كلِها شرقيها وغربيها فأفلستَ وجنت على الأمةِ بوارا ؟ أما جربنا التحالفاتِ كلِها أمريكيها وروسيها فكانت عاقبتُ أمرها خسرا ؟ أما بحثنا في زبالاتِ الغربِ ونحاتات الشرق الذهنية عن كلِ فلسفةٍ وافدةٍ وطروحاتٍ فكريةٍ فلبسناها فلم يكن منها شيءُ على مقاسنا. ونطقنا بها كلِها فلم يستقم منها شيءُ على لسانِنا. وبقي لنا لباسُ التقوى ولباسُ التقوى خير. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
(يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاتِه ولا تموتنا إلا وأنتم مسلمون ) أقول ما تسمعون وأستغفرُ الله لي ولكم…….
الخطبة الثانية: اللهم لك الحمدُ على كل نعمتٍ أنعمتَ بها علينا في قديمٍ أو حديث، أو سرا أو علانيةً، أو حاضراً أو غائباً، لك الحمدُ بالإسلامِ ولك الحمدُ بالإيمانِ ولك الحمد بالإيمان ولك الحمدُ بالقرآنِ ولك الحمدُ بالمالِ والمعافاةِ والصحةِ والأهلِ والولدِ. اللهم لك الحمدُ حتى ترضى ولك الحمدُ إذا رضيت، اللهم لك الحمدُ حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما تحبُ ربَنا وترضى. اللهم لك الحمدُ كما ينبغي لجلالِ وجهِك وعظيمِ سلطانِك وأشهدُ أن لا إله ألا اللهَ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. اللهم إني أسألك أن تجعلنا جميعا ممن إذ ابتليَ صبر، وإذا أنعمَ عليه شكر، وإذا أذنب استغفر. أيها الناس: اتقوا اللهَ حق التقوى أيها المسلمون، أيها الموحدون، أيها الأخوة المتحابون بجلالِ الله: ها قد ترحلتَ أيامُ رمضانَ ولياليه، تلك الأيامُ الغر، والليالي الزهر بعد أن تلذذنا بصيامه، وتمتعنا بقيامه، وآنسنا في النفوس بروح العبوديةِ والذكر لله عز وجل. ثم جاءت أيامُ العيدِ بزهوِها، وبهجتِها، وأنسِها وفرحتِها، فهي تحفةً للصائمين وجائزةُ للمتعبدين:
(ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون).
أيها الأحباب: لقد أصبح الطريقُ مسدودا أمام كل الطروحاتِ الأرضية، والأفكارِ القوميةِ العلمانية.
لقد أخذت فرصتها في التطبيق، وأخذت أكثر من فرصتِها من التجارب، ثم ماذا كان عاقبةُ أمرها ؟
لقد كان عاقبةُ أمرها خسرا. انحصرت القسمةُ وتبين أن لا خيار إلا في الحلِ الإسلامي.
تبين ذلك وأنه لا خيارَ إلا خيارُ الله للأمة. ولا طريق إلا الصراطُ المستقيمُ والذي بينَه محمد صلى الله عليه وسلم للبشرية. وأصبح واجبُ المسلمين التعاونَ بين أفرادِهم وجماعاتِهم بين مؤسساتهِم الخاصة ومؤسساتِهم الرسميةَ لتحقيقِ التدينُ الفردي والتدينُ الجماعي، وتحقيقُ العبوديةَ لله عز وجل، وتحقيقِ الهيمنة لأحكامه على كلِ مناحي الحياة كلِها بلا استثناءٍ ولا تفصيل. لا بد أن تُنتجَ لنا التجاربُ السابقةَ تصحيحاً لأسلوبِ طرحِنا ومعالجتِنا.
لا بد أن ينتجَ لنا ذلك اعترافا بالأخطاء ومعالجةً لها بوضوح:
وأن لا تبقى أخطائُنا مدفونةً تحت الرمال محجوبة عن الأعين محجوبة عن الألسن حتى تكشفها لنا الأحداث في أحرج اللحظات.
يجب أن يوصف الدعاة المتحدثون عن الأخطاء بنصح أنهم ناصحون لا مرجفون، وأن يعرفوا بأنهم دعاة إصلاح لا دعاةُ ولا يسمحُ وصفَهم إطلاقا بأنهم دعاة فتنة. إذا كان لا بد من الاستشهاد بالغرب، إذا كان لا بد من تقليد الغرب، إذا كنا لا زلنا مفتتنين بالغرب فإن الغرب قد زاده قوة وضوح المكاشفة للأخطاء، ولم نسمع أن متحدثا عن الأخطاء في الغرب وصف أنه مرجف، ولا أنه داعية فتنة. ونحن أهل الإسلام أحق بهذا الخلق وأولى به أن نتكاشف بأخطائنا وأن نتداعى لإصلاحها، وأن نرى أن هذا واجبنا جميعا المتحدثُ عنه محل الحفاوة من الكل. ينبغي أن نخرج من التجارب السابقة بتصحيح لمسار الفكر:
فيغيب عن الساحة الفكر العبثي والفكر السطحي والفكر القردي المقلد، ننتظر فكرا يعمق الوعي يزيل الضباب والقتامة من حول القضايا فيجليها للعقول ويجليها للبصائر كما هي بلا مغالطة ولا تزييف ولا علو ولا تحيز. ننتظر فكرا نيرا يرد الأشياء إلى أصولها يربطها بأسبابها البعيدة والعميقة والعديدة ولا يكتفي بما يطفو على السطح. ننتظر فكرا أصيلا يعرفونا من نحن، ما رسالتنا ما دورنا من عدونا حقيقة ماذا نملك وماذا يملك؟ ننظر فكرا عميقا ينظر إلى الغد البعيد ولا يخطفُ بصره الحاضر القريب، يستفيد من دروس الأمس وآلام اليوم وآمال الغد. ننتظر فكرا هادفا يوضح لنا الهدف ويرسم لنا الطريق ويضع أيدينا على العقبات والمعوقات. هذه هي مهمة الفكر، وهذه دوره، وهذا ما يجب أن يقوم به. ننتظر أن يصح الفكر السكران وأن يستقيم الفكر المعوج، وأن يظهر الفكر الأصيل، ويختبئ ويتوارى ويذهب إلى غير رجعة الفكر الدخيل، الفكر السطحي الفكر الجبان. لقد خاب ضنهم وطاش سهمهم فماذا بقي لهم؟ ننتظر أن نخرج من التجارب بتصحيح فوري لمسار الاقتصاد :
بعيدا عن محاربة الله ورسوله، فنحن أضعف وأقل وأهون من ذلك، وتبقى سبل الكسب والادخار الشرعي هي الخيار الوحيد لكل من يبغي استثمارا وربحا وكسبا. ننتظر أن نخرج من التجارب بتصحيح للإعلام:
ليكون منبرا للدعاة الصالحين المصلحين هدفه تعميق أصالة الأمة وتوعيتها بعيدا عن الطرح التافه أو الإلهاء الرخيص. إعلاما يعيشُ معانةِ الأمة حقيقة ويعالج مشاكلها بأصالة بعيدا عن تمجيد الذوات وترديد الشعارات فللأمة قضيتها ومهمتها ورسالتها التي ينبغي أن يتمثلها إعلامها فينطق بها. ننتظر أن نخرج من تلك التجارب والدعاة الصادقون الناصحون في المقدمة منا:
كلمتهم عالية صوتهم مسموع نصحهم مستجاب له، ننتظر أن نخرج من هذه التجارب ولنا قدواتنا من العلماء الراسخين في العلم العاملين بعلمِهم ليكونوا محل الحفاوة منا جميعا ومحل القدوة لنا جميعا، ومحل الاحترام والتقدير على كافة الأصعدة. عار على أجهزة الإعلام صحفا ومجلات ومرئيا ومسموعا أن يكون في الأمة رجال يعملون منذ عقود من السنين عددا، يعملون بصمت وإنهاك لقواهم، يعملون للأمة بتفاني وصدق ونصح ثم نرى تعتيما لدورهم وتجاهلا لوجودهم حتى لا يكادوا يذكروا في أجهزة إعلامنا. فمن يذكر إذا لم يذكر هؤلاء؟
ومن يشكر إذا لم يشكر هؤلاء؟ إلى متى سنظل نتلهى بالتافهين من المغنين والممثلين. ماذا استفدنا مما قدموا؟ ماذا كان رصيدهم عند الشدائد؟ لقد آن الأوان أن يوضع الرجال في مقاماتهم الصحيحة وأن يوضع كل في رتبته:
(يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أوتوا العلماء درجات). فلنرفع من رفعه الله ولنضع من وضعه الله. ننتظر أن نخرج من تلك التجارب بصدق مع الله ليصدقنا الله:
وبغضب لله ليغضب لنا الله، وبنصر لله لينصرنا الله :
( يا أيها الذين أمنوا إن تنصروا الله ينصركم………). إن الذين يكرهون ما أنزل الله ينبغي أن يحجب صوتهم عن الأمة وأن تبقى كراهيتَهم مقهورة في صدورهم لا تفوه بها ألسنتهم. ننتظر أن نخرج من التجارب السابقة بتطبيق حقيقي شامل للدين:
بعيدا عن التطبيق الانتقائي، بعيدا عن التطبيق الجزئي، تطبيقا للدين يهيمن على كل مسارب الحياة ومساراتها وكلياتها وجزئياتها. فقد تعبت الأمة من أصحاب الطروحات الثورية الملحدة الذين إذا اشتدت بهم الشدائد رفعوا الإسلام شعارا وغرروا بالأمم فانساقت معهم، وبقي التطبيق الحقيقي والتطبيق الأصيل لأهل الإسلام الحق. إن على الأمة أن تذكر نعمة الله عليها أن حل عليها هذا الشهر المبارك وهذا العيد السعيد المجيد ونحن في حال أمن وآمان وسلام وإسلام، أقبل المسلمون على صلاتهم وصيامهم، اكتظت المساجد بجموعهم، وضجت الأجواء بدعائهم، وابتهج الحرم المكي بآلاف الشباب تفور بهم أدواره وتغلي بهم ساحاته من وجوه واعدة نيرة تقدم للدنيا رسالة تقول:
لإن عرف التاريخ أوسا وخزرجا……..فلله أوس قادمون وخزرج وإن سجوف الغيظ تخفي ورائها……..جموعا إلى الإسلام للحق تخرج
توجه رسالة للدنيا إلى أن شبيبة الأمة قد ثبت لها إفلاس كل خيار إلا الإسلام، فاختارت الإسلام عبودية لله وانقيادا لأمر الله ونصرة لشرع الله وجهادا في سبيل الله. فهنئا للأمة شبيبتها وشيوخها، وهنئا للأمة صحوتها وعلمائها. والله ربنا المسؤول أن يسدد خطى الأمة على الحق وأن يعصمها من زيغ الشيطان وكيد الكائدين وإرجاف المرجفين، وأن يحول بينهم وبين كل مريد لدعاتها بسوء ومستبطر بهم كيدا.
|