اتصل بنا منتدى أهل العلم البحث سجل الزوار كلمة المشرف الصوتيات الرئيسية
01 شوال 1431
09 سبتمبر 2010
فتاوى عامة / الحدود والحريات الفردية
طباعة المقال إرسال العنوان لصديق

السؤال

فيما يتعلق بعقوبة الزنا والردة أليست هي خرق للحياة الخاصة ولحرية التعبير؟

أليس من الأفضل أن يترك حسابهم لله؟

 

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإن الحرية هي اللبنة الأولى لإصلاح المجتمع، فقد جعل الله من هذه الحرية حقا مشتركاً للبشر جميعاً، كحقِّهم في الطعام والشراب واللباس، لا فرق في ذلك بين مسلم وغيره.

فالحرِّيَّة نعمةٌ وحليةٌ كساها الله الإنسانَ، وزينةٌ جَمَّلُه بها، فما أبأس مَن أعرض عن نعم الله ومِنَنِه، وكفر بنعمة الحريَّة التي أكنَّها الله فيه.

ولم يجعل الله هذه النِّعمة خاصَّة مقصورة على صغائر الأمور، بل جعلها عامَّة لجميع اختيارات الإنسان، شاملة لحرِّيَّته في القول وفي الاعتقاد.

فأعلنت حقوق الإنسان في ذلك آيات كثيرة في كتاب الله تعالى: "وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" [الكهف:29]. "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" [البقرة:256]. وهي صريحة في الدلالة على النهي عن إكراه أحد على الدخول في دين الإسلام، فدخوله يجب أن يكون على بيِّنة وبصيرة، وبإرادة واختيار، لا أن يكون عن محاكاةٍ أو تقليد، ولا أن يكون بحالٍ تشوبه شائبة إكراه وقسر.

ولم يقل الفقهاء بوجوب قتل الزنديق وعدم قبول توبته إلا مِن أجل هذا المعنى، فلمْ يكن دخوله في الإسلام من باب الإكراه، بل من باب الاختيار الطَّوعي، والدخول في دين الله شأنه عظيم وله من الحرمة ما يجعلنا لا نسمح لأحدٍ أن يُولِّيه الأَدْبَارَ؛ لأن خروجه عنه يكون نقضا للعهد الذي ألزم نفسه به حين دخل في الإسلام.

روى الإمام مَالِك (1219) عن زيد بن أسلم أنَّ رَسُولَ الله –صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ». قال الإمام مالك رحمه الله (فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الإسلامِ إلَى غَيْرهِ، وَأَظْهَرَ ذٰلِكَ، فَذٰلِكَ الَّذِي عُنِيَ بِه، والله أعْلَم). وأصل الحديث في الصحيحين وغيرهما مسنداً.

ويبيِّن ذلك أن من أسلم وادَّعى أنه مُكرَهٌ أو أنه اضطرَّه للإسلام خوف دفع الجزية أو ضيق أو ظلم أو ما شابه ذلك، فإنه إذا ارتدَّ لا يُقتل، قال الإمام مالكٌ رحمه الله: له في ذلك عُذر.

أي يُعذَر، بأن يسقط عنه القتل، لأن فِعْلَ المُكْرَه لا حُكْمَ له، فإنه إذا ثبت أنه دخل في الإسلام مكرهاً لم يثبت له حكمه.

بل قد عدَّ الإسلامُ تخلِّي الإنسان عن نعمة الحرِّية والاختيار وما يجرُّ إليه هذا التَّخلِّي من الذهول عن إدراك الحقائق والخطأ في سلوك السبيل إليها، من أعظم الرَّزايا والمصائب "وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" [الأعراف:179].

وعاب على العرب انصرافهم عن الاختيار الناشئ عن نظر وتدبُّر، وتعويلهم على اختيار غيرهم، انتصاراً لعاطفة القرابة، وركوناً إلى التقليد في مواطن الاعتقاد فقال "قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ" [الزخرف:22]. وهو سلوك مخالف للفطرة ومخالف للعقل.

بينما عَكَسَ ذلك المعنى أعداءُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منذ فجر التاريخ، حيث عمدوا إلى إكراه أتباعهم ومريديهم على اعتقادات يفرضونها عليهم فرضاً، ويُلزمونهم الأخذ بها، وإن لم تستسغها الفِطَر ولم تقبلها العقول، وربما عَمَدوا إلى ابتكار الحِيَل لِكَبْت الحرَّيات وتضييق الخناق عليها، وفرض المعتقدات الفاسدة ورسوم الوثنية "قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ" [غافر:29].

واقرأ أيها الأخ الكريم ما قاله الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله: (وحكمة تشريع قتل المرتد -مع أن الكافر بالأصالة لا يقتل- أن الارتداد خروج فرد أو جماعة من الجامعة الإسلامية فهو بخروجه من الإسلام بعد الدخول فيه ينادي على أنه لما خالط هذا الدينَ وجدَه غير صالح ووجد ما كان عليه قبلَ ذلك أصلحَ فهذا تعريض بالدين واستخفاف به، وفيه أيضاً تمهيد طريق لمن يريد أن ينسل من هذا الدين وذلك يفضي إلى انحلال الجامعة، فلو لم يُجعل لذلك زاجر ما انزجر الناس، ولا نجد شيئاً زاجراً مثل توقع الموت؛ فلذلك جُعل الموت هو العقوبة للمرتد حتى لا يدخل أحد في الدين إلاّ على بصيرة، وحتى لا يخرج منه أحد بعد الدخول فيه، وليس هذا من الإكراه في الدين المنفي بقوله تعالى: "لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ" لأن الإكراه في الدين هو إكراه الناس على الخروج من أديانهم والدخول في الإسلام، وأما هذا فهو من الإكراه على البقاء في الإسلام).

أما ما يتعلق بالزنى فأحيلك إلى هذا الحديث الشريف الذي رواه أَحمد (21185) عن أَبي أُمامةَ: أَنَّ فتىً مِنْ قريشٍ أَتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلّم فقالَ: يا رسولَ الله، إِئْذَنْ لي في الزِّنا، فأقْبلَ القومُ عليهِ وزَجَروهُ، وقالُوا: مَهْ مَهْ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُدْنُهْ»، فَدَنا مِنهُ قريباً، فقال عليه الصلاة والسلام: «أَتُحِبُّهُ ُلامِّكَ؟» قال الفتى: لا والله، جعلَني الله فِدَاكَ، قال: «ولا الناسُ يحبُّونَهُ ٌّلأمَّهاتِهِمْ»، قال: «أَفتحِبُّه لابنتكَ؟» قالَ: لا والله يا رسولَ الله، جعلَني الله فداكَ، قال: «ولا الناسُ يحبُّونَهُ لِبَناتِهِمْ»، قالَ: «أَفتحِبُّه ُلأخْتِكَ؟» قال: لا والله يا رسولَ الله، جعلَني الله فداكَ، قال: «ولا الناسُ يحبُّونَه لأخَواتِهم»، قال: «أَتحبُّهُ لعمَّتِكَ؟» قال: لا والله يا رسولَ الله، جعلني الله فداكَ، قال: «ولا الناسُ يحبونَهُ لعَمَّاتِهم»، قال: «أَتحبهُ لخالتِكَ؟» قالَ: لا والله يا رسولَ الله، جعلني الله فداك، قالَ: «ولا الناسُ يحبونَهُ لخَالاتِهِمْ»، قال: فوضَعَ يدَهُ عليه وقالَ: «اللهمَّ اغفِرْ ذَنْبهُ، وطهِّرْ قَلبَهُ، وحَصِّنْ فرجَهُ»، قال: فلَمْ يكُنْ بَعْدَ ذلكَ الفَتى يلتفِتُ إِلى شيءٍ.

ولك أن تتأمَّل حال الغرب اليوم، الذي اختزل الكيان النسوي في أن يكون أُلعوبة للرجل يتسلَّى بها، فانتفى عنها وصف الإنسان المكرَّم، حيث أصبحت المرأة وسيلة دعاية للتسويق بحيث تكون سلعة تجارية للربح وبضاعةً للمتاجرة بِـحُـسنها وجمالها، وصيداً سهلا للذئاب البشريَّة من الشباب، ودُمـيـة رخيصة تنشر عليها عروض الأزياء والرشاقة، ويُـتسلَّى عليها بمسابقات ملكات الجمال.



 

الكاتب: الشيخ د.قيس آل الشيخ مبارك
التاريخ: 14/10/1428
تقييم:
  فتـــــــــاوى عــامة
  هيئات إسلامية
  فـقه النــــــــــوازل
  فقه الأقليــــــــــات
  دراســـات وبحوث
  دروس علميـــــــة
  محــــــــــــاضرات
  مقــــــــــــــــــالات
  قضـــــايا اسلامية
  متفرقـــــــــــــــات
  من سير العلمــاء
  حوارات ومقابلات
  علماء الموقع
  خريطة الموقع
حول الموقع
  الرسالة
  الأهداف
  الهيكل الإداري
  الهيئة التنفيذية
  الهيئة التأسيسية
كتب مختارة
دليل المواقع
صدر حديثاً
تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كلمة المرور
الانضمام إلى عضوية الموقع

تصميم الموقع
ما رأيك بتصميم الموقع الجديد؟
ممتاز
جيد جدا
جيد
(عرض النتائج)


مواقع إسلامية
إسلام أون لاين
الاسلام اليوم
الشبكة الاسلامية
إسلاميات
التأريخ
آفاق فكرية
الوسط
شبكة الإسلام

مواقع اخبارية
الجزيرة نت
مفكرة الاسلام

قوائم بريدية
اشترك الان في القائمة البريدية قوائم بريدية
البريد الإلكتروني
الجوال
الاسم

يتصفح الموقع الآن 26 ضيفاً
جميع الحقوق محفوظة . موقع علماء الشريعة . تصميم وتطوير مؤسسة التفكير العربي