اتصل بنا منتدى أهل العلم البحث سجل الزوار كلمة المشرف الصوتيات الرئيسية
01 شوال 1431
09 سبتمبر 2010
كتب مختارة / المختصر الوجيز في مقاصد التشريع
طباعة المقال إرسال العنوان لصديق
1 2 >

مقدمة

       الحمد لله رب العالمين , خالق الخلق أجمعين , وإله المتقين ,أرسل الرسل وأنزل الكتب , ليخرج – سبحانه- الناس من الظلمات إلى النور وبين للمكلفين الحق من الضلال والغي من الرشاد , وحدد سبحانه سبل السعادة في الدنيا والآخرة على سبيل الإجمال والتفصيل في الدقيق والجليل والعام والخاص للفرد والجماعة , وأقام لكل ذلك واضحات الأدلة القاطعة وبينات البراهين الساطعة فتجلت آثار حكمته وعمت سوابغ نعمته وسبقت موجبات رحمته في خلقه وأمره , فسبحانه من رب رحيم , وله الحمد من إله حكيم .

      والصلاة والسلام على من جعله الله رحمة للعالمين , الذي بعثه الله للخلق كافة يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة , فأنقذ الله به من الشقاء , وهدى به من الضلال , وكان كما وصفه – سبحانه- حريص على المؤمنين رؤوف رحيم , بلغ الرسالة وأدى الأمانة فما ترك خيراً حتى أرشد إليه , وبين طرق كسبه والوصول إليه , ولا شراً حتى حذر منه , وبين وسائل رده والنجاة منه , ورضي الله عن آله الطيبين الطاهرين , وأصحابه المختارين المفضلين , وأتباعه المصطفين إلى يوم الدين , أما بعد :

      فإنه لما كان الفقه في الدين من أسمى المطالب , والسعي في تحصيله من أعلى المراتب , رأيت أن ساهم في بيان بعض فقه الكتاب والسنة وبخاصة في أبواب الأصول الفقهية , وبالذات في باب المقاصد الشرعية , فقد سبق وأن درست مادة المقاصد في كلية الشريعة وأصول الدين في أبها بضع سنين , وكان المنهج المقرر لذلك مسائل وفصول من كتاب الموافقات للإمام أبي إسحاق الشاطبي رحمه الله وكان بعض التلاميذ يكتبون معي أثناء المحاضرات , ويصور زملائهم ما كتبوه, فانتشرت مذكرات عديدة مليئة بالأخطاء والتحريفات , والنقص والخرم في الكلام , ناهيك عن التضارب والاختلاف بين ما انتشر بسبب اختلاف أفهما الكاتبين , فألح علي بعض من درستهم في إخراج تلك المحاضرات بصورتها الصحيحة التي كنت ألقيها عليهم , فأعدت النظر فيما بين يديه من أوراق وقصاصات , فرتبتها وهذبتها واختصرتها , وحاولت تبسيطها وتسهيل عباراتها وأسلوبها , لعل غير المتخصص يستفيد منها , وسميت هذا الكتاب (( المختصر الوجيز في مقاصد التشريع )) وسيكون أغلب ما في هذا الكتاب مستفاد من كتاب الموافقات للشاطبي مع إلمامات بغيره , فما كان فيه من صواب الاختيار والترتيب والتبويت فالحمد لله وحده , وما كان فيه من خطأ وزلل فأستغفر الله منه , ولا حول ولا قوة إلا بالله . 

 

تمهيد وتوطئة

     إن أمر المقاصد الشرعية أمر في غاية الأهمية بالنسبة لحملة العلم الشرعي والمتفقهين في الكتاب والسنة من المبتدئين أو المجتهدين ؛ إذ إنها كالبوصلة التي تحدد للمسافر صحة اتجاهه من عدمه فهي بالإضافة لأمور آخر تساعد الباحث عن أحكام الشريعة في تحديد صحة سيره , وسلامة طريقه في التعامل مع نصوص الكتاب والسنة وعباراتها واستخراج واستنباط مدلولاتها ومعانيها ومراميها , فهي مختصة بأهل العلم والاستنباط وأرباب الفقه والاجتهاد ,( وليس كل مكلف بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة ؛ لأن معرفة مقاصد الشريعة نوع من أنواع العلم ... وحق العالم فهم المقاصد والعلماء في ذلك متفاوتون على قدر القرائح والفهوم ) .

      وبمقدار رسوخ العالم في فقه الكتاب والسنة , يكون مقدار استيعابه لكليات مقاصد الشريعة , وقدرته في إدراج جزئيات الأحكام تحت تلك الكليات وردها إليها ؛ إذ إن فهم بعض مسائل الفروع متيسر حتى للعامي الأمي ,( أما معرفة المقاصد التي بنيت عليها الأحكام فعلم دقيق لا يخوض فيه إلا من لطف ذهنه واستقام فهمه ) , بل إن المتأمل في أسرار الشريعة يقطع بأن ( خاصة الفقه في الدين ... معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها) .

      ولقد خطى القرآن بالعقل البشري خطوات جبارة في سبيل الرقي به , وفتح مداركه على ما في الكون من بديع خلق الله وآثار حكمته , وربط الأمور بأسبابها , وترتب ثمارها ونتائجها عليها , حتى أصبح تفكير المسلم تفكيراً غائياً سبيبياً ,( ولقد تحول الإدراك الإسلامي إلى نوع من اليقين بذلك الترابط الدقيق بين المقاصد والأفعال , فالفعل عبث إن خلا من مقصد وغاية , والفعل لا يتحقق إن لم توفر له أسبابه ومقدماته , فالأمور مرتبطة بغاياتها من حيث الإثمار والإنتاج , ومرتبطة بغاياتها من حيث الإثمار والإنتاج , ومرتبطة بمقدماتها وأسبابها من حيث الوجود والتحقيق ... , إن مدار التكليف والمسؤولية الإنسانية على مباشرة الأسباب , وتسخير النواميس والقوانين الإلهية التي تحكم حركة الوجود , وابتغاء آثارها ونتائجها , لتحقيق مهمة الاستخلاف , وأداء حق الأمانة بإعمار الكون , وتنظيم الحياة وفق المنهج الذي رسمه خالق الإنسان والكون والحياة سبحانه ... فمعرفة مقصد الشارع من الحكم , كمعرفة قصد المكلف من الفعل والأسباب اللازمة لتحقيق الفعل في الوجود , كل هذه العناصر تشكل أجزاء أساسية في منظومة العقل المسلم ).   

      وبهذا تحول المسلم إلى عامل بناء لا هدم , وعنصر سعادة لا شقاء في تاريخ الإنسانية يتحرك بإيجابية فائقة في الحياة بمختلف صورها , وفي شتى جوانبها ( إن الذي يرفضه الإسلام أن يسعى العبد لنيل حظه من الدنيا بهواه من غير الطريق الذي ارتضاه الشارع ... ليست القضية التي جاء بها الإسلام هي الهروب من الحياة , كي ننال الجنة والنعيم الأخروي , الإسلام يريدنا أن نسخر الحياة باسم الإسلام وبنهجه , يريد الإنسان المسلم ان يكون طاقة قوية , تندفع إلى الحركة والعمل والكفاح في الحياة لبناء الحضارة الإنسانية الخيرة , ويسد الثغرات التي تظهر في العالم المادي , نتيجة للدوافع الحيوانية التي تولد الصراع الحاد في أعماق نفس الإنسان ).

( ولو تتبعنا مقاصد ما في الكتاب والسنة , لعلمنا أن الله أمر بكل خير دقة وجله ) .

      ولقد ظن بعض الناس – خطأ- أن أمر الدين لا يستقيم إلا بوأد الغرائز البشرية , وكبت النوازع الفطرية الإنسانية , وتحميل النفس ما لا تطيق , بل ظنوا أن الآخرة لا يصلح شأنها وتتحقق ثمرتها إلا بالإدبار عن الدنيا والتخلي عنها بالكلية واعتزال أمرها كله ,( وقد أدى العمل على هذا النحو الذي يقتضيه هذا الاتجاه إلى حدوث صراع نفسي في نفوس العاملين به , كانت له آثار سيئة , ذلك أنهم يحاولون كبت نوازع الفطرة , ويطلبون محوها وإزالتها ,, وهذا أمر مستحيل ... فإذا وقع الإنسان بين ضغط الغريزة الدائم الملحاح , وبين ما يعتقد أنه سمو وكمال , وهو محاربة هذه الميول وخنقها في أعماق النفوس , فالنتيجة الحتمية أن يدمر الصراع الثائر بين الدوافع والكوابح نفس صاحبه , ويوهن قواه , ويشتت فكره , ويملأ قلبه حيرة وقلقاً ).

      وإنما أتي أرباب هذا الاتجاه من أهل الزهد والسلوك والتصوف من قلة فقههم في الدين وبخاصة باب المقاصد الشرعية (وإنما يعرف ذلك من كان خبيراً بأسرار الشرع ومقاصده , وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد , وما تضمنه من مصالح العباد في المعاش والمعاد , وما فيها من الحكمة البالغة والرحمة السابغة ).

      وبهذا الفهم الصحيح والفقه المستنير لدين الله تعمر الدنيا بالسعادة الوارفة , ويعيش الإنسان في تواؤم تام مع ذاته , وانسجام كامل مع فطرته , معبداً ذاته والحياة من حوله لربه , وجاعلاً الدنيا طريقاً للآخرة , بالغاً بطاقاته وإمكاناته أقصى مدى لها يمكن أن تصل إليه في سبيل البناء الحضاري والرقي المدني , غير متشوف ولا محاول أن يتصدى لما لم يخلق له ولم يؤهل للقيام به من إيجاد وابتداع دين وتشريع , لتسيير الحياة , وتحديد مفاهيم الغيب ؛ لأن حق التشريع وبيان الدين لله وحده ؛ ولأن ( لفظ التشريع في اصطلاح الشرعيين له معنيان , أحدهما : وضع شريعة مبتدأة , وهذا لا يملكه في الإسلام إلا الله وحده .

       وثانيهما : استمداد حكم من شريعة قائمة , سواء أكان استمداده من نص من نصوصها , أم من دليل من دلائلها , أم من مبادئها وروحها ... وإنشاء التشريع في الإسلام بالمعنى الأول لا يملكه حقيقة إلا الله سبحانه وتعالى , وأما بالمعنى الثاني فهو مجاز لا حقيقة لأن المستنبط يكشف عن حكم موضوع لا ينشىء حكماً جديداً ).

      وبهذا سلم المسلم فرداً أو أمة نظاماً أو حضارة من مأزق الصراع بين الروح والمادة , والمثال والواقع , الذي وقعت فيه الأديان المحرفة والحضارات المادية المعاصرة , وإن الالتفات إلى فقه المقاصد , ليساهم بإذن الله في تجاوز كثير من المزالق التي قد يقع فيها بعض الدعاة أو طلبة العلم , حين يقصرون نظرهم على دليل جزئي شرعي , غير ملتفين إلى موقعه في سياقه العام من كليات الشريعة ومقاصدها العامة وما يترتب على تنزيله في الواقع بالكيفية التي ارتأها , غير عائبين بالموازنة بين المصالح والمفاسد , الذي هو ثمرة لفقه المقاصد , والذي هو في الحقيقة لب وروح وحقيقة السياسة الشرعية في التعامل مع الأحداث والوقائع والمستجدات الشرعية في التعامل مع الأحداث والوقائع والمستجدات في الحياة ببصيرة وهدى وفقه وعقل وما أقل من جمع ذلك في زماننا.

      وما مثل من يتصدى لأمر الإفتاء والدعوة والتوجيه من غير إلمام بمقاصد الشرع ولا معرفة حقيقة بالواقع إلا كمثل من يبحث عن الثمرة في غير شجرتها , أو يحاول استنبات البذرة في غير بيئتها ومكانها المناسب الذي لا تنمو وتنتج إلا فيه , وأنى لهذا أو لذاك أن يبلغ المراد أو يصل للغاية والهدف , وإن بذل الجهد وأتعب النفس , قال تعالى : )وليس البر بأن تأتو البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتو البيوت من أبوابها (.

 

تعريف المقاصد

      المقاصد في اللغة : جمع مقصد , وهو في كلام العرب الاعتزام والتوجه والنهود والنهوض نحو الشيء , والقصد الاعتماد والأم قصده يقصده قصداً ... وقصدت قصده نحوت نحوه ... .

      ومن معاني القصد في اللغة : استقامة الطريق والعدل وعدم الجور , وإتيان الشيء , تقول : قصدته أي أتيته , وتأتي بمعنى التوسط في الأمر والكسر , تقول : قصدت العود أي كسرته , ويطلق على اللحم اليابس والعنق من الحيوان .

      المقاصد في الاصطلاح : لم أجد من عرف المقاصد من علماء الشريعة الأقدمين رغم كثرة لهجهم بذكرها في كتبهم , بل إن رأس المؤلفين في علم المقاصد الشاطبي رحمه الله لم يكلف نفسه عناء التعريف للمقاصد رغم سعة حديثه عن المقاصد .

      أما المعاصرين فممن عرفها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور فقال :( مقاصد التشريع العامة هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة ).

      ويلاحظ على هذا التعريف أنه جعل المعاني هي المقاصد بينما المعنى هو التفسير , أما المقصد فهو الغاية من الشيء والحكم كذلك أوسع وأشمل من المقاصد .

      وعرفها الأستاذ علال الفاسي فقال :( المراد بمقاصد الشريعة الغاية منها والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها ).

      ويلاحظ على هذا التعريف جعله المقاصد هي الأسرار والواقع أن الأسرار قد تكون مقاصداً وقد لا تكون مقاصداً , وكذلك فالغالب أن المقاصد ليست من باب الأسرار في الشريعة دائماً .

      وقال الدكتور يوسف حامد العالم :( مقاصد الشارع من التشريع نعني بها الغاية التي يرمي إليها التشريع والأسرار التي وضعها الشارع الحكيم عند كل حكم من الأحكام ).

      وقد أحسن بذكر الغايات ولكنه أخذ عبارة الأسرار من الأستاذ علال الفاسي فيرد عليه من الملحوظات ما ورد عليه .

      ولعل تعريف الأستاذ أحمد الريسوني أسلم من التعريفات السابقة حيث قال :0( مقاصد الشريعة هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد ).

       ولو قال : مقاصد الشريعة هي الغايات التي أنزلت الشريعة لتحقيقها لمصلحة الخلق في الدارين , لكان أولى فكلمة ((أنزلت)) أولى من كلمة ((وضعت )) لما فيها من الإشارة لنزول التشريع من الله . 

      وكلمة (( لأجل )) في تعريف الأستاذ الريسوني حشو لا حاجة له , والخلق أشمل من كلمة (( العباد )) المشعرة بالمكلفين فقط ؛ لأن الشريعة جاءت لصلاح وإصلاح المكلفين وغيرهم من جميع المخلوقات وإن كان المخاطب بها أهل التكليف فقط من الإنس والجن .

      وعبارة(( في الدارين )) إشارة إلى المصالح الأخروية التي هي من أهم مقاصد الشريعة وإن غفل عن ذكرها كثير ممن كتب في المقاصد .

       والمقاصد الشرعية نوعان :

معان حقيقية , ومعان عرفية عامة , ويشترط في جميعها أن يكون ثابتاً ظاهراً منضبطاً مطرداً .... ثم أننا استقرينا الشريعة فوجدناها لا تراعي الأوهام والتخيلات وتأمر بنبذها ... فقضينا بأن الأوهام غير صالحة لأن تكون مقاصد شرعية ) .

 

حكمة التشريع

      إن أفعل العقلاء ذات الشأن تنزه – غالباً- عن العبث وما لا قصد له .

      والله سبحانه وتعالى له المثل الأعلى , وهو أحكم الحاكمين , الذي أحاط بكل شيء علماً الذي خلق فسوى , والذي قدر فهدى , الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً , وقد أنزل شرعه المطهر , ليخرج به من الظلمات إلى النور , وليتم عليهم نعمته ، قال تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين , وقال تعالى : )ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون( , وقال تعالى :) من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة (, وقال تعالى :)

 ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكة(, وقال تعالى :) كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من لعلكم تتقون (, وقال سبحانه :) إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر (, وقال تعالى : )ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب (, وقال تعالى :) وتحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث( , وقال تعالى:) لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط (

      فدلت هذه الآيات على أن الشرع جاء لتحصيل المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها.

      وما هذه النصوص القطعية إلا غيض من فيض , وجزء من كل , وقليل من كثير ؛ إذ إن نصوص الشرع متظافرة الدلالة على أن ( المقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض , وحفظ نظام التعايش فيها , واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها , وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة , ومن صلاح في العقل وفي العمل , وإصلاح في الأرض واستنباط لخيراتها وتدبير منافع الجميع ).

      و( إذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع استبان لنا من كليات دلائلها , ومن جزئياتها المستقرأة أن المقصد العام من التشريع فيها , هو حفظ نظام الأمة , واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه , وهو نوع الإنسان , ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه ).

      ( وبذلك تكون الشريعة مستهدفة تحقيق مقصد عام , وهو إسعاد الأفراد والجماعة , وحفظ النظام , وتعمير الدنيا بكل ما يوصل إلى الخير والكمال الإنساني , حتى تصير الدنيا مزرعة للآخرة , فيحظى الإنسان بسعادة الدارين ).

      والعقل يشهد بما دل عليه الشرع ؛ إذ ما من صاحب عقل سوي , وفطرة سليمة يبلغه الشرع المطهر , إلا ويقطع بأن أحكامه جاءت حاوية لجميع المصالح والخير , قاطعة لجميع المفاسد والشر ,( فالشرائع كلها وبخاصة شريعة الإسلام جاءت لما فيه من صلاح البشر في العاجل والآجل , أي في حاضر الأمور وعواقبها ), ولو ذهبنا نستعرض الأمثلة من شهادات العقلاء قديماً وحديثاً لخرجنا عن المراد وطال ينا الكلام .

      وكذلك الواقع التاريخي أعظم شاهد على هذه الحقيقة , فما من أمة أخذت بهذا الدين العظيم في أحكامه وآدابه إلا وتبدل حالها من الشقاء إلى السعادة , ومن الضعف إلى القوة , ومن الفقر إلى الغنى , ومن الخوف إلى الأمن , ومن الجهل إلى العلم , ومن التفرق والشتات إلى التوحد والإخاء والوئام , ( واستقراء أدلة كثيرة من القرآن والسنة الصحيحة يوجب لنا اليقين بأن أحكام الشريعة منوطة بحكم وعلل راجعة للصلاح العام للمجتمع والأفراد ).

       وقد أخبر الله تعالى بأن الوحي الذي أنزل نور وهدى وشفاء ورحمة , ورفع للحرج , وطهارة وحياة طيبة للنفوس والأبدان , وبشرى وحكمة , وتزكية للناس , وأمر بالعدل والإحسان , ونهي عن الفحشاء والمنكر والبغي , وإخراج من الظلمات إلى النور , ووضع للإصر والأغلال عن الناس , ولا يمكن ان يكون متصفاً بهذه الأوصاف العظيمة ( حتى يكون موصلاً إلى الغايات المحمودة والمطالب النافعة , فيكون مرشداً إلى العلم والعمل الصالح فتحصل الغاية المطلوبة ).

      وإن مقتضى رحمة الله وحكمته وعلمه وإحاطته سبحانه وتعالى ألا يخلق الخلق ويرسل الرسل وينزل الكتب ويجعل الجزاء والثواب والعقاب عبثاً : )أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (, وقال سبحانه :) ألا له الخلق والأمر(. فكما ظهرت آثار حكمته الباهرة سبحانه وعلمه المحيط ورحمته الواسعة في خلقه , حيث خلق لعباده جميع ما في الأرض والسموات , وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة , وصورهم في أحسن تقويم , ورزقهم السمع والأبصار والعقول , فهي كذلك في أمره ونهيه سبحانه , حتى قال ابن القيم رحمه الله تعالى :( والقرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مملوءان من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح وتعليل الخلق بهما والتنبيه على وجوه الحكم التي لأجلها شرع الأحكام , ولأجلها خلق تلك الأعيان , ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها , ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة ).

      ( وإن تعطيل الحكمة والغاية المطلوبة من الأحكام إما أن يكون لعدم علم الله به , وهذا محال في حق من هو بكل شيء عليم , وإما لعجزه عن تحصيلها , وهذا ممتنع في حق من هو على كل شيء قدير , وإما لعدم إرادته ومشيئته والإحسان إلى غيره وإيصال النفع إليه , وهذا مستحيل في حق أرحم الراحمين ... وإما لمانع يمنع من إرادتها وقصدها , وهذا مستحيل في حق من لا يمنعه مانع عن فعل ما يريد بل هو فعال لما يريد , وإما لاستلزامها نقصاً ومنافاتها كمالاً , وهذا باطل , بل هو قلب للحقائق وعكس ومناقضة لقضايا العقول ... وإن مما هو معلوم ببداهة العقول ومجاري العادات أن أي نظام لا يقصد به تحقيق نفع أو دفع ضر فإنه نظام فاشل مزدرى , منسوب واضعه إلى الجهل والتغفيل , متهم بالشر , وانظر إلى من شئت من أصحاب الأنظمة الوضعية أيرضى أحد منهم أن يقال له : إن نظامك ليس له قصد ولا يحقق مصلحة , فإذا كان ذلك مما يأنف منه العقلاء مع غفلتهم وجهلهم وحصول النقص فيهم فتنزيه شريعة أحكم الحاكمين عن ذلك أولى . بل كيف يليق بمن عرف دين الله وشرعه وخالطت قلبه بشاشة الإيمان أن يظن ذلك بشريعة الرحمن , وما ذلك إلا من ظن السوء برب العالمين , نعوذ بالله من ذلك ).

      ( وما من حكم شرعي إلا وهو يحقق مصلحة أساسها المحافظة على النفس أو العقل أو الدين أو النسل أو المال , وإن هذا يبدو من الشريعة في جملة مقاصدها , ولا يمكن أن يكون حكم شرعي إلا وهو متجه إلى ناحية من هذه النواحي ).

      وإذا تبين لنا بصورة قطعية قصد الشرع إلى تحقيق المصالح جملة وتفصيلاً , فلنقم قدر المستطاع ببيان القواعد الأصولية للمقاصد الشرعية وأقسامها وأمثلتها وطرق معرفتها وما يلحق يذلك من مسائل ومباحث , على الاختصار والإيجاز إن شاء الله . 

 

مراتب المقاصد

      لقد اصطلح العلماء على تقسيم المقاصد إلى ثلاث مراتب, هي الضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينيات , وهذا الاصطلاح قديم قدم التأليف في علم الأصول , لكن من أهل العلم من يذكره بشكل صريح, ومنهم من يشير إليه إشارة فقط , ومنهم من يلحظه في اجتهاده الفقهي واستدلاله وترجيحه .

      وممن ذكر هذه المصطلحات أو بعضها إمام الحرمين والغزالي والعز بن عبد السلام والقرافي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم كثير, على أن أوسع من تحدث عن علم مقاصد التشريع وفتق مسائله , وكان بحق أستاذه وإمامه أبو إسحاق الشاطبي الأندلسي المتوفي سنة 790هـ .

      المرتبة الأولى الضروريات:

      وهي التي ( لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا , بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة , بل على فساد وتهارج وفوت حياة , وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين ).

      وهي أعلى مراتب المقاصد الشرعية , بل هي الغاية الأولى من نزول التشريع , وهي جارية في العبادات والمعاملات والعادات ,( فالمصالح الضرورية هي التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها بحيث لا يستقيم النظام بإخلالها بحيث إذا انخرمت تؤول حالة الأمة إلى فساد وتلاش ).

      و( الضرورة أخص من عموم المصلحة , فهي المصلحة التي تصل درجة الاحتياج إلى أشد المراتب وأشق الحالات , فيصبح الإنسان في خطر يحدق بدينه أو نفسه أوماله أو عرضه أو ما أشبه ذلك , وتتوقف حياة الناس الدينية والدنيوية عليها , بحيث إذا فقدت اختلت الحياة الدنيا وضاع النعيم وحل العذاب الأليم في الآخرة ).

      والضروري منها ( ما يعقل معناه , وهو أصل ويئول المعنى المعقول منه إلى أمر ضروري لا بد منه ..., وهذا بمنزلة قضاء الشرع بوجوب القصاص في أوانه , فهو معلل بتحقق العصمة في الدماء المحقونة والزجر عن التهجم عليها ..., ويلتحق به تصحيح البيع , فإن الناس لو لم يتبادلوا ما بأيديهم لجر ذلك ضرورة ظاهرة , فمستند البيع إذاً آيل إلى الضرورة الراجعة إلى النوع والجملة ).

      وهو ما اصطلح على تسميته الضرورات الخمس , وهي : حفظ الدين والنفس والعقل والنفس والمال , قال تعالى : )قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (

      ( هذه هي المصالح الضرورية ((الضروريات )) التي تقصد بها الأعمال والتصرفات التي تتوقف عليها صيانة الأركان الخمسة وهي الدين والعقل والنسل والمال , فهذه الأمور الخمسة يتوقف عليها قيام مصالح الناس في حياتهم الدينية والدنيوية فإذا فقد بعضها اختلت الحياة الإنسانية) .

      فحفظ الدين من باب العبادات وحفظ النفس والعقل من باب العاديات , وحفظ النسل والمال من باب المعاملات .

      والضروري في هذه الأبواب هو الحد الذي بدونه لا يمكن أن يوجد أي من الخمس المذكورة , فالضروري من الدين هو الذي إذا ذهب معه الدين , ومثله بقية الأمور الأربعة .

      وإليك أمثلة ذلك :

      فالضروري في باب الدين هو الإيمان والنطق بالشهادتين , والصلاة والزكاة والصيام والحج , وما أشبه ذلك من أصول الدين التي إذا ذهبت لم يبق الدين بعد ذهابها .

      وحفظ النفس والعقل بباب العادات من تناول المأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات في حدها الأدنى الذي يتعذر بعده وجود الحياة البدنية أو العقلية ,( وهذا الصنف الضروري قليل التعرض إليه في الشريعة لأن البشر قد أخذوا حيطته لأنفسهم منذ القدم فأصبح مركوزاً في الطبائع , ولم تخل جماعة من البشر ذات تمدن من أخذ الحيطة له , وإنما تتفاضل الشرائع بكيفية وسائله ).

        أما باب حفظ النسل فيتم من خلال النكاح وحفظ الأعراض , وحفظ المال من خلال إباحة الانتفاع بالأعيان والمنافع , وانتقالها بعوض أو بغير عوض .

      والأمران النكاح والبيوع من باب المعاملات , والضروري منهما هو الذي إذا فقد لم يبق نسل ولا مال , وانحسم الأمر جملة وليس بالمراد به بعض جزئياته .

      المرتبة الثانية الحاجيات :

      وهي ( المفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب ) ,(وهي ما يتعلق بالحاجة العامة ولا ينتهي إلى حد الضرورة , وهذا مثل تصحيح الإجازة , فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها وضنة ملاكها بها على سبيل العارية , فهذه حاجة ظاهرة غير بالغة مبلغ الضرورة المفروضة في البيع وغيره ). 

      وهي تجري فيما جرت فيه الضروريات من عبادات وعادات ومعاملات في أبواب الدين والنفس والعقل والنسل والمال , ولكنها ليست في شدة الافتقار إليها مثل الضرورات , بل يمكن أن يتصور وجود الضرورات الخمس مع عدم وجود الحاجيات التي هي المرتبة الثانية من المقاصد , لكن يلحق المكلف من جراء فقد الحاجي مشقة وحرج شديد .

      و( الأمور الحاجية للناس ترجع إلى ما يرفع الحرج عنهم , ويخفف عليهم أعباء التكليف , وييسر لهم طرق المعاملات والمبادلات , وقد شرع الإسلام في مختلف أبواب العبادات والمعاملات والعقوبات جملة أحكام المقصود بها رفع الحرج واليسر بالناس ).

      وهذه بعض الأمثلة للحاجيات : ففي العبادات التي بها يحفظ الدين الرخص المخففة , كالجمع بين الصلاتين وقصر الرباعية والفطر في رمضان والمسح على الخفين وغيرها , بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض والسفر , فأنت ترى أنه لو لم تشرع هذه الرخص لما ذهب أصل الدين , ولكن سيلحق المكلفين عنت ومشقة في بعض الأحوال عند سفر أو مرض أو مطر أو برد أو خوف وأشباه ذلك .

      وفي باب العاديات التي بها تحفظ النفس والعقل , كإباحة صيد البحر والبر , والتمتع بأنواع الطيبات مأكلاً ومشرباً ومسكناً وملبساً ومركباً , وأشباه ذلك مما لو لم يشرع لنا التمتع به لما عدمت النفس والعقل , ولكن سيلحقها مشقة وعنت فيما لو لم يباح لها إلا مطعم واحد ومشرب واحد وملبس واحد ومركب واحد أو قريب من ذلك مما هو ضروري الذي بعدمه لا يوجد نفس ولا عقل .

     وفي باب المعاملات التي بها يحفظ النسل والمال , كإباحة التعدد في النكاح , وإباحة الطلاق , وإيجاب النفقة , ومنع نكاح المرأة على عمتها وخالتها ومع أختها وأمها وابنتها , وأشباه ذلك مما لو لم يشرع لما عاد على أصل النكاح الذي به يحفظ النسل بالعدم ولكن سيلحق الناس عسر ومشقة وعنت وتعب .

      وفي حفظ المال وهو كل ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك على غيره إذا أخذه من وجهه , مثل الإجارة والسلم والقرض والمساقاة والمضاربة , وأشباه ذلك مما لا يؤدي فقده إلى فقد المال من الوجود بالكلية الذي بفقده تفقد النفس ولكن لو لم تشرع هذه الأمور لأدى ذلك إلى مشقة وعسر وعنت في حياة الناس .

      ( ونحن إذا أجدنا النظر في المقصد العام من التشريع نجده لا يعدو أن يساير حفظ الفطرة والحذر من خرقها واختلالها , ولعل ما أفضى إلى خرق عظيم فيها يعد في الشرع محذوراً وممنوعاً , وما أفضى إلى حفظ كيانها يعد واجباً , وما كان دون ذلك في الأمرين فهو منهي أو مطلوب في الجملة , وما لا يمسها مباح ) .

      المرتبة الثالثة : التحسينات :

      وهي ( الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات ).

      ( وهي ما لا يتعلق بضرورة حاقة ولا حاجة عامة , ولكنه يلوح فيه غرض في جلب مكرمة أو في نفي نقيض لها , ويجوز أن يلتحق بهذا الجنس طهارة الحدث وإزالة الخبث ).

      وهي المرتبة الثالثة بالنسبة للضروريات والحاجيات وبالتالي فهي الأقل أهمية , والداعي إليها أقل مما سواها مما سبقها في الأهمية ,( و الأمور التحسينية للناس ترجع إلى كل ما يجمل حالهم ويجعاها على وفاق ما تقتضيه المروءة ومكارم الأخلاق , وقد شرع الإسلام في مختلف أبواب العبادات والمعاملات والعقوبات أحكاماً تقصد إلى هذا التحسين والتجميل , وتعود الناس أحسن العادات , وترشدهم إلى أحسن المناهج وأقومها ), وهي جارية فيما جرت فيه الضروريات والحاجيات من العبادات والعادات والمعاملات .

      ومن امثلة ذلك : في باب العبادات التي بها حفظ الدين , كالطهارة وستر العورة في العبادات وإزالة النجاسات والتقرب بنوافل الخيرات من الصدقات ونوافل الصلاة والصيام والذكر وأشباه ذلك .

       وفي باب العادات التي حفظ النفس والعقل كآداب الأكل والشرب , مثل الأكل باليمين , وتجنب المآكل النجسات , والمشارب المستخبثات , والإسراف , وافقتار فيها , والندب للضيافة عند عدم الاحتياج إليها وما يشابه ذلك .

      وفي باب المعاملات , كمنع المرأة من إنكاح نفسها , وفرض مهر المثل , والعدل بين الزوجات في المبيت وسواه , وإباحة نكاح الأمة عند العجز عن نكاح الحرة , والتسري بملك اليمين .

     وفي حفظ المال وأبواب البيوع , كمنع بيع النجاسات , وبيع فضل الماء والكلأ , وأشباه ذلك .

      ( والمصالح التحسينية هي ما كان بها كمال حال الأمة في نظامها , حتى تعيش آمنة مطمئنة ولها بهجة منظر المجتمع في مرأى بقية الأمم , حتى تكون الأمة الإسلامية مرغوباً في الاندماج فيها أو في التقرب منها , فإن لمحاسن العادات مدخلاً في ذلك ).

      وها أنت ترى أن مقاصد الشرع ليست في الطلب لديه سواء , بل بعضها طلبه أكد من البعض الآخر , وإن كانت كالدوائر المتكاملة , بعضها يتمم البعض الآخر , فالحاجي تتمة للضروري , والتحسيني تتمة للحاجي والضروري , وهذا يقودنا إلى الحديث عن أمر مهم في باب المقاصد , وهو ما يلحق بمراتب المقاصد الثلاث من تكملة وتتمة لكل منها .

      ومما ينبغي العلم به في هذا الباب أن الضروريات ليست في مرتبة واحدة , بل بعضها مقدم على بعض , وجمهور أهل العلم استقر الأمر عندهم على أن ترتيب الخمس الضروريات كالآتي :

      الدين ثم النفس ثم العقل ثم النسل ثم المال ؛ ولذلك عند تزاحم حفظ النفس مع حفظ المال , مثلاً يقدم حفظ النفس على حفظ المال , وهذا الترتيب يجري في باب الحاجيات وكذلك في شأن التحسينات في كل باب بحسبه .

      مكملات مراتب المقاصد :

      باستقراء أحكام الشريعة وقصدها لحفظ المقاصد المذكورة يتبين لنا أن لكل مرتبة من المراتب السبق ذكرها تكملة وتتمة , وبمراعاتها يتحقق المقصد الشرعي في أكمل صورته , ولكن لو فرضنا فقد هذه التكملة مع المحافظة على المقصد الأصلي لما أخل ذلك بالحكمة الأصلية في حفظ أصل المصلحة من أي مرتبة كانت من مراتب المقاصد , وكذلك هذه التكملة إذا كان وجودها سيؤدي إلى الإخلال بالمقصد الأصلي , فحينئذ تستبعد هذه التكملة , ويتنازل عنها , وتهدر حفاظاً على أصلها الذي هو المقصد الأصلي لأن لاعتبار التكملة والتتمة شرط وهو ألا يعود اعتبارها على أصلها بالإبطال , وذلك لأمرين :

       الأول: أننا إذا حفظنا التكملة بإبطال الأصل فقد أبطلنا الأصل مع التكملة ؛لأن ذهاب الأصل هو ذهاب التكملة فنكون بسعينا للحفاظ على التكملة نسعى لإبطالها .

      الثاني: أننا لو افترضنا بقاء التكملة والتتمة مع ذهاب الأصل في بعض الصور لكان تحصيل الأصل أولى ( ومن ثم فإنه لا يراعي حكم حاجي , إذا كان في مراعاته إخلال بحكم ضروري , ولا يراعي حكم تحسيني , إذا كان في مراعاته إخلال بحكم ضروري أو حاجي ؛ لأن المكمل لا يراعي إذا كان في مراعاته إخلال بما هو مكمل له ).

      (ومن خصائص هذا .... أن القياس الجزئي فيه وإن كان جلياً إذا صادم القاعدة الكلية ترك القياس  الجلي للقاعدة الكلية , وبيان ذلك بالمثال : أن القصاص معدود من حقوق الآدميين , وقياسها رعاية التماثل عند التقابل على حسب ما يليق بمقصود الباب , وهذا القياس يقتضي ألا نقتل الجماعة بالواحد , ولكن في طرده والمصير إليه هدم القاعدة الكلية ومناقضة الضرورة , فإن استعانة الظلمة في القتل ليس عسيراً , وفي ردء القصاص عند فرض الاجتماع خرم أصل الباب ) .

      وإليك الأمثلة المبينة لذلك :

      ففي باب الضروريات : الصلاة من ضروري الدين , فلو اشترط فيها القيام والركوع , وأمثال ذلك من أركانها في جميع الأحوال , وحكم بأنه لا تصح الصلاة بدونها أبداً لتعذر أداء الصلاة في حال المرض والعجز عن أداء هذه الأركان في الصلاة , فكان اشتراط التكملة سبباً في ذهاب الأصل , ومن هنا صح أن يصلي المريض والعاجز حسب استطاعته .

      وكذلك الجهاد ضروري لحفظ الدين , ولا بد في الجهاد من الوالي والإمام , والعدالة من شروط صحة الولاية , فإذا كان أمير الجهاد من ولاة الجور وليس عدلاً فهل يجاهد معه ؟ الشرع أمر بالجهاد مع كل بر وفاجر ؛ لأننا إلا مع العدول لعاد اشتراط هذه التكملة على أصلها وهو الجهاد لحفظ الدين بالإبطال فتنازل الشرع عن التكملة حفاظاً على الأصل .

      وحفظ المهجة ضروري , وحفظ المروءة تحسيني , فحرم أكل النجاسات حفظاً للمروءات , فإن دعت الضرورة إلى حفظ الحياة بتناول الميتة النجسة أسقطنا تكملة حفظ المروءة لأجل الحفاظ على أصل حفظ الحياة.

      ومثله أصل البيع ضروري , ومنع الغرر والثمن أو الجهالة بأحدهما تكميلي بالنسبة لأصل البيع , فلو اشترط انتفاء الغرر حتى بالحبة من البر مثلاً عند الكيل أو الوزن وانتفاء الجهالة انتفاء كلياً لتعذر البيع تماماً , ولأدى اشتراط هذه التكملة والتنمية إلى إبطال الأصل الضروري في باب الأموال وهو البيع .

      ومن هنا فالشرع يغتفر الغرر اليسير والجهل اليسير الذي لا يمكن دفعهما , حفاظاً على أصلهما وهو البيع , ومما هو من مكملات الضروري ومتمماته التي شرعت له , مثل الصلاة في جماعة , ومثل منع شرب قليل الخمر غير مسكر , ومثل منع النظر إلى الأجنبية , ومثل الإشهاد في البيع والرهن , وأشباه ذلك .

      وفي باب الحاجي الإجازة في غالبها واشتراط وجود العوضين الثمن والمثمن في أبواب المعاملات من باب التكميلات والتتمات , وحين كان ذلك ممكناً في بيع الأعيان منع بيع المعدوم إلا في السلم بشروطه .

      ولكن وجود العوضين في باب الإجارة غير ممكن أو بصورة أدق وجود أحدهما , وهو استيفاء المنفعة الذي يحتاج إلى زمن , وهو أمر غير ممكن تحصيله وتسليمه , كالسكن والركوب والبناء وأشباه ذلك.

      وحين تعذر وجود هذه التكملة وأصبح اشتراطها في الإجارة سيعود على الأصل الذي هو الإجارة بالإبطال , اغتفرت في هذا الباب , وصحت الإجارة مع عدم وجود هذا الوصف الذي هو لزوم حضور العوضين في مجلس العقد .

      من أمثلة ما اعتبره الشرع في باب الحاجيات اعتبار الكفء عند إنكاح المرأة , ومهر المثل عند عدم تسمية المهر , ونفقة المثل عند المشاحة بين الزوجين ؛ إذ أن اعتبار الكفء في الإنكاح لا تدعو إليه شدة حاجة مثل أصل النكاح لكنه أحرى أن يكون بين الزوجين من التفاهم والسكن ما لا يتحقق لو لم يكونا كذلك ؛ ولذلك لو لم يتحقق النكاح إلا بغير الكفء فلا يكون اشتراط التكملة سبباً في ضياع أصل المصلحة .

      ومن أمثلة ذلك القرض ؛ إذ أن الشرع اشترط في تبادل النقد بالنقد , القابض والتساوي عند اتحاد الجنس , والتقابض عند اختلاف الجنس ولكن في القرض اغتفر أمر التقابض مع بقاء شرط التساوي إرفاقاً بالناس لحاجتهم لذلك ؛ إذ أن بقاء شرط التقابض الذي هو كالتتمة والتكملة كان سيعود على أصل الحكم الحاجي وهو القرض بالإبطال , فأهدرت التتمة للحفاظ على أصل المصلحة وهو القرض .

      ومثل ذلك : اغتفار الشرع الاطلاع على العورات للنكاح أو للمداواة والعلاج ؛ إذ إن ستر العورة من باب التحسينات التي هي كالتنمية للضروري الذي هو النكاح والضروري أو الحاجي الذي هو العلاج إلا باغتفار التحسيني والتنازل عنه , كلن ذلك مشروعاً لئلا يعود الحفاظ على التنمية التحسينية بالإبطال على الأصل الضروري أو الحاجي .

      وفي باب التحسينات , كآداب الأحداث , ومندوبات الطهارة , وأمثال ذلك , مثل التثليث في الوضوء في غير مسح الرأس , والبداءة باليمين في غسل الأيدي والأرجل , ودخول الخلاء بالشمال والخروج باليمين , والاستعاذة عند الدخول والاستغفار عند الخروج ؛ إذ كل ذلك من تتمات وتكملات أمر تحسيني مما لو فقد لما عاد على أصل العمل بالإبطال .

      وكذلك لو أدى إلى بطلان أصله فلا يعتبر , كمن قل الماء عنده بحيث لو ثلث في الغسل والاستنشاق والمضمضة لما أمكنه إكمال وضوءه , فعند هذا يتنازل عن التتمة والتكملة الذي هو التثليث في سبيل الحفاظ على أصل المصلحة الذي هو الوضوء .

      ومما ينبغي العلم به ( أن كل حاجي وتحسيني فإنما هو خادم للأصل الضروري , ومؤنس به ومحسن لصورته الخاصة , إما مقدمة له أو مقارناً أو تابعاً , وعلى كل تقدير فهو يدور بالخدمة حواليه , فهو أحرى أن يتأدى به الضروري على أحسن حالاته , وذلك أن الصلاة مثلاً إذا تقدمتها الطهارة أشعرت بتأهب لأمر عظيم ,فإذا استقبل القبلة أشعر التوجه بحضور المتوجه إليه , فإذا أحضر نية التعبد أثمر الخضوع والسكون .... وهكذا ).

      ذلك ( أن مجموع الحاجيات والتحسينات ينتهض أن يكون كل واحد منهما كفرد من أفراد الضروريات , وذلك أن كمال الضروريات من حيث هي ضروريات إنما يحسن موقعه حيث يكون فيها على المكلف سعة وبسطة من غير تضييق ولا حرج , وحيث يبقى معها خصال معاني العادات ومكارم الأخلاق موفرة الفصول , مكملة الأطراف حتى يستحسن ذلك أهل العقول , فإذا أخل بذلك لبس قسم الضروريات لبسة الحرج والعنت , واتصف بضد ما يستحسن في العادات , فصار الواجب الضروري متكلف العمل , وغير صاف في النظر الذي وضعت عليه الشريعة, وذلك ضد ما وضعت عليه ).

      ( وهكذا نجد أن أحكام الشريعة كلها جاءت إما لحفظ شيء من الضروريات , وإما لحفظ شيء من الحاجيات التي لولاها لوقع الناس في الحرج والمشقة , وإما لحفظ شيء من التحسينات , وإما لتكميل مقصد من هذه المقاصد الثلاثة بما يعين على تحققه على أكمل وجه ).

كيف حافظ الشرع على هذه المقاصد ؟

      لقد عمدت الشريعة إلى حفظ هذه المقاصد في الوجود بأمرين :

      الأمر الأول : مراعاة هذه المقاصد بمراتبها المختلفة وما يكملها ويتمها من جانب الوجود , أي شرع إيجادها وإقامة أركانها وأعيانها .

      ففي باب الضروريات , كالنطق بالشهادتين , وإقامة الصلاة وأداء الزكاة وصيام رمضان وأداء الحج في حفظ الدين , وذلك يتحقق بالعمل به والدعوة إليه والمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وهو ما تعرض الفقهاء لتفصيله في أبواب العبادات وتناول المأكولات والمشروبات واللباس والسكن في حفظ النفس والعقل , ومشروعية البيوع والحض على النكاح في حفظ النسل والمال وأشباه هذه الأمور , على التفصيل السابق في المسائل السابقة , وقد فصل الفقهاء ذلك في أبواب المعاملات .

      وفي باب الحاجيات : كالرخص في العبادات والتمتع بالطيبات من المأكولات والمشروبات , والإجازة والسلم والقرض في المعاملات والتعدد في النكاح , وإباحة الطلاق .

      وفي باب التحسينات : كإزالة النجاسة , وستر العورة , ونوافل العبادة , ومنع الإسراف وافقتار في الأكل والشراب , واجتناب تناول المستقذر من الطعام , وكمنع بيع النجاسة , ومنع إنكاح المرأة نفسها , ومنع نكاح الأمة مع القدرة على نكاح الحرة , وكل هذا مراعاة للمقاصد من جانب الوجود أي من حيث وجودها وإقامة أركانها والحفاظ عليها .

      والأمر الثاني : مراعاتها من جانب العدم , أي أن يشرع من الأحكام ما يدرأ عنها الخلل الواقع أو المتوقع فيها .

فيحفظ الدين بالجهاد وحد الردة , وحفظ النفس بالقصاص في النفس وما دونها أو بالديات وأرش الجنايات , وحفظ العقل بحد السكر وبما يحفظ به النفس ؛ لأنه يلزم من ذهاب النفس ذهاب العقل , وبتحريم السحر والكهانة والشعوذة , وحفظ النسل بحد الزنا وحد القذف واللعان , وحفظ المال بحد السرقة وضمان قيم المتلفات وما غضب ويدخل في حفظ الجميع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , والتعازير المشروعة بضوابطها الشرعية , وحد الحرابة لحفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول , وقمع البدع والضلالات بالرد عليها , وقد فصل الفقهاء ذلك في أبواب الفقه المختلفة , مثل الجهاد والحدود والديات والقصاص .

      فبهذه الأحكام يدفع عن ما قصد الشرع حفظه من ضروري وحاجي وتحسيني ما يؤدي إلى عدمه وذهابه من الوجود .

      وهذا هو المنهج الشرعي في حفظ هذه المقاصد , بإيجادها وإقامتها , ودفع ودرء ما يؤدي إلى ذهابها وبطلانها وفسادها .

      كيف نفهم الشريعة؟

      لما تقرر أن للشريعة مقصد عام وهو حفظ مصالح الخلق في الدارين , كان لزاماً أن نتعرف على قصد الشارع في إفهام المكلفين هذه الشريعة , وعلى أي وجه يكون هذا الفهم صحيحاً , لتعلم منه المقاصد الأولية , أي أن هذه الشريعة لا يمكن معرفة مقاصدها في مصالح العباد إلا إذا فهمناها على الوجه الذي قصد الله أن نفهمها عليه .

      ومن هنا كان علاقة هذا الموضوع بالمقاصد , وهو بالنسبة إلى ما سبقه قصد ثانوي في الأهمية ؛ إذ أنه كالوسيلة لما سبقه وإن كان أسبق منه في الوجود ؛ إذ لا يمكن معرفة مقاصد الشريعة ما لم يعرف منهج فهم الشريعة والوحي المنزل من الله سبحانه وتعالى , وهو كذلك وسيلة ضرورية ؛ إذ لا يمكن الامتثال وتحقيق القصد الشرعي بدون هذه الوسيلة .

      فهم القرآن على مقتضى لغة العرب :

      لقد نزل القرآن بلسان العرب وعلى لغتهم , قال تعالى : )إنا أنزلناه قرآناً عربياً (, وقال سبحانه :) بلسان عربي مبين( , وقال تعالى : )لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين( , وقال سبحانه : )إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون (, وقال تعالى :) وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين( .  إلى غير ذلك من الآيات .

      وكل هذا دليل قطعي على أن القرآن نزل بلغة العرب وعلى عرف تخاطبهم وما ألفوه في كلامهم حينئذ , فعلى مقتضى قواعد وأساليب هذه اللغة يجب أن يفهم ,بل لا يمكن أن يفهم بدون ذلك ؛ ولذلك أجمع أهل العلم على أن معرفة لغة العرب والإلمام بأساليبها المعروفة شرط لتفسير القرآن الكريم , وهذا في فهم القرآن والسنة سواء في ألفاظها المفردة أو في تراكيبه وجمله وأساليبه .

       وعلى هذا فإن كان للعرب الذين نزل القرآن بلسانهم من عرف في تخاطبهم فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة , وهذا جار في المعاني والألفاظ والأساليب , ومثال ذلك أن العرب لا ترى الألفاظ مقصودة لذاتها إذا حوفظ على المعاني في أحيان كثيرة , وفي أحيان أخرى تعمد إلى الحفاظ على الألفاظ وعدم تغييرها , ولا يكون ذلك قادحاً في صحة كلامها واستقامته , وقد تستغني باللفظ عن مرادفه , وعلى هذا جاء الوحي في الأحرف السبعة والقراءات الثابتة المتواترة بعد ذلك ومن هنا يفهم ما ورد في الشريعة من هذا الباب .

      ومن عرفهم أن الاعتناء بفهم المعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم من الكلام , وأن الكلام إنما يصحح ويعتنى به ليدل على المعنى وليفهم عنه القصد , وربما كانت عنايتهم بالمعنى التركيبي أكثر من عنايتهم بالمعنى الإفرادي ؛ إذ دلالة السياق والتركيب وما فيها من كنايات ومجازات وغبر ذلك تؤدي من المعاني ما قد يختلف لو نظر للمعنى الإفرادي فقط , ومن هنا كان المقصود الأعظم من قراءة القرآن تدبر آياته وفهم معانيه , ليستجاب له ويعمل به , وما سوى ذلك فإنما هو وسيلة على ما فيه من الأجر والثواب , ولكنه لا يتجاوز هذا الحد , كما أنه لا يمكن الوصول  إلى هذه الغاية الشرعية إلا بهذه الوسيلة الشرعية , قال تعالى :) كتاب أنزلناه إليك مباركاً ليدبروا آياته وليتذكروا أولو الألباب (, وقال سبحانه :) أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على هذا المعنى .

      ومما يمكن أن يقال في لغة العرب في هذا المقام : أن اللغة العربية حروف مؤلفة , وكلمة منسقة وجملة مركبة , تجري بها الألسن للتفاهم مع الآخرين والتعبير عما في الضمائر والنفوس , وهي على مرتبتين :

      المرتبة الأولى : ألفاظ وعبارات مطلقة تدل على معان مطلقة , وهي من هذه الجهة والاعتبار تشترك مع جميع اللغات في التعبير عن مقاصد المتكلمين , فإذا حصل في الوجود قيام لزيد ثم أراد كل صاحب لسان الإخبار عن قيام زيد أمكن له ذلك من غير كلفة , وبهذا الاعتبار يمكن الإخبار عن أقوال أهل اللغات الأخرى ممن ليسوا من العرب باللغة العربية , كما يمكن حكاية أقوال العرب بهذا الاعتبار باللغات الأخرى .

      المرتبة الثانية : ألفاظ وعبارات مقيدة دالة على معان مقيدة , وهي بهذا الاعتبار تختلف من لغة إلى أخرى , فإن كل خبر بهذا الاعتبار له من الخصوصية في اللفظ بحسب المخبر والمخبر عنه والمخبر به , ونفس الإخبار في الحال والسياق والإيضاح والخفاء والإيجاز والإطناب وغير ذلك من أحوال الكلام ما لا يمكن أن تتفق فيه لغتان اتفاقاً كاملاً من كل وجه , فمثلاً في لغة العرب إذا كانت عنايتك بالخبر قلت : قام زيد , وإن لم يكن هناك عناية بالخبر بل بالمخبر عنه في المقام الأول قلت : زيد قام , فإن كان جواباً لسؤال عن زيد قلت : زيد قام , وإن كان عناية السؤال بفعله لا به قلت : قام زيد , وفي مواجهة إنكار من ينكر قيامه تقول : والله إن زيداً قام , وكذلك في مواجهة إنكار ان القيام من زيد وفي الإخبار بما يتوقع من قيامه : سيقوم زيد , وأمثال ذلك الكثير مما يمكن أن يتصرف به في قيام زيد فقط , فما بالك إذا اتسع الأمر وتطرقنا لجميع المعاني والألفاظ التي يعبر بها عنها وهو ما يفوق الحصر والعد .

      وبهذا الاعتبار اختلفت العبارات في كثير من أقاصيص القرآن وأخباره بحسب الغرض من إيراده في موطن واختلاف الغرض من إيراده في موطن آخر , فبالاعتبار الأول يمكن أن يفسر كلام الله ويبين , وبالاعتبار الآخر يضاف ما اختص به من قيد وغرض في هذا المقام دون المقامات الأخرى , ومن هنا أمكن شرح وتفسير القرآن وتعذرت ترجمته ؛ لأن الترجمة الحرفية اللفظية المعنوية غير ممكنة في كلام البشر فما ظنك بكلام رب العالمين المعجز فلا يبقى إلا المعنوية وهي في الحقيقة التفسير لا غير .

       وعلى هذا فمن فسر القرآن على وجه لا تحتمله اللغة العربية رد كلامه , ولا يعذر إلا أن يكون جاهلاً وإلا فهو كالمستهزىء بكلام رب العالمين عياذاً بالله .

حال العرب عند نزول الوحي ومستوى فهمهم

      لقد كان العرب عند نزول الوحي أمة أمية لا يقرأون ولا يكتبون كما وصفهم الله سبحانه :) هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم (وقال صلى الله عليه وسلم : (( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب )), ( فالعرب هم حملة شريعة الإسلام إلى سائر المخاطبين بها , وهم من جملتهم واختارهم الله لهذه الأمانة لأنهم يومئذ امتازوا من بين سائر الأمم باجتماع صفات أربع لم تجتمع في التاريخ لأمة من الأمم , وتلك هي : جودة الأذهان , وقوة الحوافظ , وبساطة الحضارة والتشريع , والبعد عن الاختلاط ببقية أمم العالم .

      فهم بالوصف الأول : أهل لفهم الدين وتلقينه , وبالوصف الثاني : أهل لحفظه وعدم الاضطراب في تلقينه , وبالوصف الثالث : أهل لسرعة التخلق به ؛ إذ هم أقرب إلى الفطرة السليمة ..., وبالوصف الرابع : أهل معاشرة بقية الأمم ؛ إذ لا حزازات بينهم وبين الأمم الأخرى , فغن حزازات العرب ما كانت إلا بين قبائلهم ...).

      وكان لابد حينئذ والحال ما ذكرنا أن تنزل الشريعة مراعية لذلك الأمر , بحيث يمكن أن يفهمها جمهور الأميين , أي أن يفهم أغلب الأميين ما يحتاجون إلى فهمه للامتثال لمقتضى هذه الشريعة , ويبقى ما وراء ذلك من الرسوخ في العلم بها , والقيام في مقام وراثة النبوة في تبليغها والحفاظ عليها , مما يختص به أهل الذكر والعلم والاجتهاد , وهم قلة في الأمة قديماً وحديثاً.

      ولو لم تكن الشريعة بهذا الوصف لتعذر فهمها على من نزلت إليهم , ولاستحال عليهم الامتثال لها وهوما طلبه الله سبحانه وتعالى منهم , ولما قامت به الحجة عليهم من جهة إعجازه لهم , ولقالوا : هذا الكلام غير معروف ولا مفهوم عندنا , ولا هو من جنس كلامنا , وليس لنا من عهد بمثله , قال تعالى : )ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أعجمي وعربي (.

      ( لكنهم أذعنوا لظهور الحجة , فدل على أن ذلك لعلمهم به وعهدهم بمثل كلامه , مع عجزهم المطلق عن مماثله).

      ( وإذا قد أراد الله بحكمته أن يكون الإسلام آخر الأديان التي خاطب الله بها عباده , تعين أن يكون أصله الذي ينبني عليه وصفاً مشتركاً بين سائر البشر ومستقراً في نفوسهم ومرتاضة عليه العقول السليمة منهم , ألا وهو وصف الفطرة , حتى تكون أحكام الشريعة مقبولة عند أهل الآراء الراجحة من الناس , الذين يستطيعون فهم مغزاها , فيتقبلوا ما يأتيهم منها بنفوس مطمئنة وصدور منثلجة , فيتبعوها دون تردد ولا انقطاع ).  

      وعلى هذا ففهم الشريعة بما يتم به الامتثال لها لا يحتاج إلى أن يكون المكلف عالماً في العلوم الكونية والطبيعية والرياضية , بل إن وجود العقل الذي هو مناط التكليف والمعرفة بلغة العرب يجعل المكلف قادراً في الجملة وفي الأعم الأغلب على فهم تكاليف الشريعة , بحيث ( تكون التكاليف الاعتقادية والعلمية مما يسع الأمي تعقلها , ليسعه الدخول تحت حكمها , بأن تكون من القرب للفهم والسهولة على العقل بحيث يشترك فيها الجمهور , فإنها لو كانت مما لايدركه إلا الخواص لم تكن الشريعة عامة ..., نعم لا ينكر تفاضل الإدراكات على الجملة , وإنما النظر في القدر المكلف به ..., وربما جمحت النفس إلى طلب ما لا يطلب منها فوقعت في ظلمة لا انفكاك لها منها , ومن طماح النفوس إلى ما لم تكلف به نشأت الفرق كلها أو أكثرها .., ومن مراعاة الأمية فيها أن وقع تكليفهم بالجلائل في الأعمال بالتقريبات في الأمور , بحيث يدركها الجمهور كما عرف أوقات الصلوات بالأمور المشاهدة لهم , كتعريفها بالظلال وطلوع الفجر والشمس وغروبها وغروب الشفق ..., ولم يطالبنا بحساب مسير الشمس مع القمر في المنازل ؛ لأن ذلك لم يكن من معهود العرب ولا من علومها , ولدقة الأمر فيه وصعوبة الطريق إليه , وأجرى لنا غلبة الظن في الأحكام مجرى اليقين , وعذر الجاهل فرفع عنه الإثم , وعفا عن الخطأ , إلى غير ذلك من الأمور المشتركة للجمهور , فلا يصح الخروج عما حد في الشريعة , ولا تطلب ما وراء هذه الغاية فإنها مظنة الضلال ومزلة الأقدام ).  

      ويبقى ما وراء ذلك من العلم بأسرار وحكم التكليف مما يتفاوت فيه الناس , بل ويتفاوت فيه الخواص من أهل العلم فيفتح على الواحد منهم مالم يفتح على سواه ,و( هي أمور تعرض لمن تمرن في علم الشريعة وزاول أحكام التكليف وامتاز عن الجمهور بمزيد فهم فيها حتى زايل الأمية من وجه , فصار تدقيقه في الأمور الجليلة بالنسبة إلى غيره ممن لم يبلغ درجته , فنسبته إلى ما فهمه نسبة العامي إلى ما فهمه , والنسبة إذا كانت محفوظة فلا يبقى تعارض ..., فصار كل أحد فيها مطلوباً بإدراكه , فمن مدرك فيها أمراً قريباً فهو المطلوب منه , ومن مدرك فيها أمراً هو فوق الأول فهو المطلوب منه ), حيث كان من ( حكمة السماحة في الشريعة , أن الله جعل هذه الشريعة دين الفطرة , وأمور الفطرة راجعة إلى الجبلة , فهي كائنة في النفوس سهل عليها قبولها , ومن الفطرة راجعة إلى الجبلة , فهي كائنة في النفوس سهل عليها قبولها , ومن الفطرة النفور من الشدة والإعنات , قال تعالى : )يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً(.

      وقد أراد الله أن تكون شريعة الإسلام شريعة عامة ودائمة فاقتضى ذلك أن يكون تنفيذها بين الأمة سهلاً , ولا يكون ذلك إلا إذا انتفى عنها الإعنات , فكانت بسماحتها أشد ملاءمة للنفوس...).

      وعلى هذا فإنما ( يصح في مسلك الأفهام والفهم ما يكون عاماً لجميع العرب , فلا يتكلف فيه فوق ما يقدرون عليه بحسب الألفاظ والمعاني ,فإن الناس في الفهم , وتأتي التكليف فيه ليسوا على وزان واحد ولا متقارب , إلا أنهم يتقاربون في الأمور الجمهورية وما ولاها , وعلى ذلك جرت مصالحهم في الدنيا ولم يكونوا بحيث يتعمقون في كلامهم ولا في أعمالهم إلا بمقدار ما لا يخل بمقاصدهم ...,

      فكذلك يلزم أن ينزل فهم الكتاب والسنة بحيث تكون معانيه مشتركة لجميع العرب ؛ ولذلك أنزل القرآن على سبعة أحرف , واشتركت فيه اللغات , حتى كانت قبائل العرب تفهمه)، ولو لم يكن القرآن كذلك وأحكامه في الاعتقاد والعمل على هذا المنوال , لكان تكليفاً لمن نزل عليهم بما لا يصدق , والله لا يكلف نفساً إلا وسعها تفضلاً منه ورحمة وكرماً , وبهذا دلت الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة كما سيأتي معنا إن شاء الله .



 

الكاتب: الشيخ د.عوض بن محمد القرني
التاريخ: 01/07/1427
تقييم:
  فتـــــــــاوى عــامة
  هيئات إسلامية
  فـقه النــــــــــوازل
  فقه الأقليــــــــــات
  دراســـات وبحوث
  دروس علميـــــــة
  محــــــــــــاضرات
  مقــــــــــــــــــالات
  قضـــــايا اسلامية
  متفرقـــــــــــــــات
  من سير العلمــاء
  حوارات ومقابلات
  علماء الموقع
  خريطة الموقع
حول الموقع
  الرسالة
  الأهداف
  الهيكل الإداري
  الهيئة التنفيذية
  الهيئة التأسيسية
كتب مختارة
دليل المواقع
صدر حديثاً
تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كلمة المرور
الانضمام إلى عضوية الموقع

تصميم الموقع
ما رأيك بتصميم الموقع الجديد؟
ممتاز
جيد جدا
جيد
(عرض النتائج)


مواقع إسلامية
إسلام أون لاين
الاسلام اليوم
الشبكة الاسلامية
إسلاميات
التأريخ
آفاق فكرية
الوسط
شبكة الإسلام

مواقع اخبارية
الجزيرة نت
مفكرة الاسلام

قوائم بريدية
اشترك الان في القائمة البريدية قوائم بريدية
البريد الإلكتروني
الجوال
الاسم

يتصفح الموقع الآن 14 ضيفاً
جميع الحقوق محفوظة . موقع علماء الشريعة . تصميم وتطوير مؤسسة التفكير العربي