اتصل بنا منتدى أهل العلم البحث سجل الزوار كلمة المشرف الصوتيات الرئيسية
24 صفر 1431
08 فبراير 2010
حديث وشرحه / قبسات من السنة النبوية15
طباعة المقال إرسال العنوان لصديق

من مكارم الأخلاق (3)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..         وبعد :

    فهذه توجيهات سلوكية في المجال الأخلاقي . فمن ذلك ما أخرجه الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : " جاء شيخ يريد النبي صلى الله عليه وسلم , فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا" ([1]) .

فقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم شرف الانضمام والانتماء إلى المجتمع الإسلامي عن أهل الجفاء والقسوة الذين لا يرحمون الصغار ولا يحترمون الكبار , وهذا يعني أن من فعل ذلك قد ارتكب كبيرة لما قد ترتب على تلك المخالفة من براءة النبي صلى الله عليه وسلم ممن فعل ذلك .

وهذا يبين لنا أهمية الاهتمام بالصغار بالرحمة بهم , وبالكبار باحترامهم , وقد جمع بين الصغار في السن والكبار اشتراكهما في عامل الضعف , وأن كلا من الفريقين بحاجة إلى الراشدين في المجتمع الذين لم يبلغوا سن الشيخوخة .

وقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة الله جل وعلا عن الذين لا يرحمون الناس , كما أخرج الحافظ أبو عبد الله البخاري رحمه الله من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"من لا يَرحم لا يُرحم"  ([2]) .

وفي رواية أبي عيسى الترمذي رحمه الله توضيح لهذه الرواية حيث جاء فيها " من لا يرحم الناس لا يرحمه الله"  ([3]) , وهذا بيان لفضيلة خلق الرحمة وأهميته في الإسلام , حيث رتب صلى الله عليه وسلم رحمة الله جل وعلا بالعباد على رحمتهم بالناس .

والرحمة خلق جليل يترتب عليه المعروف والإحسان والعدل , واجتناب الظلم وكف الأذى, فصاحب القلب الرحيم مجبول على فعل الخير واجتناب الشر .

وفي بيان جزاء الرحمة أخرج الشيخان رحمهما الله من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات , فأعطت كل واحدة منهما تمرة , ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها , فاستطعمتها ابنتاها , فشقَّت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما, فأعجبني شأنها فذكرت الذي صنعتْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إن الله قد أوجب لها الجنة – أو قال- أعتقها من النار"  ([4]) .

ففي هذا الحديث إشادة من النبي صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة التي رحمت ابنتيها فآثرتهما على نفسها , فهل كانت تلك المرأة تتصور أنها بتنازلها عن تمرة واحدة ستدخل الجنة ؟ فما أهون الثمن وما أبلغ الجزاء!!

وأخرج الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله وحسَّنه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : " صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال : يا معشر من آمن بلسانه ولم يُفْضِ الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيِّروهم ولا تتَّبعوا عوراتهم , فإنه من تتبَّع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله " .

قال : ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال : ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك  ([5]) .

فهذا الحديث يعالج أنواعا من السلوك السيء في معاملة المسلمين , وقد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم للتحذير منها بمقدمة بليغة , حيث صعد المنبر ونادى بصوت رفيع , وحكم على من وقع في ذلك السلوك المنحرف بأنهم ممن لم يصل الإيمان إلى قلوبهم , والمراد بهذا الإيمان المنفي الإيمان المؤثر في السلوك , حيث لم يكن هناك إيمان حي مؤثر يردع أولئك عن ذلك السلوك المنحرف .

وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك السلوك المنحرف بأذية المسلمين , وذكر نوعين من هذه الأذية , هما تعيير المسلمين وتتبع عوراتهم , فأما تعيير المسلمين فإن من ذلك وصفهم بالأشياء التي تُعدُّ منقصة لهم كالتنابز بالألقاب , وذلك فيما إذا كان للإنسان لقب يَستاء منه فإنه لا يجوز للمسلم أن يناديه به , أو كان قد اشتهرت قبيلته أو أهل بلده بوصف يُعدُّ منقصة , فلا يجوز أن يعيَّر بذلك , وكذلك ما إذا كان به عاهة أو قد ابتُلي بفقر أو كان منصبه صغيرا , فلا يجوز لأخيه المسلم أن يعيره بذلك .

وأما تتبُّع عورات المسلمين فإنه يكون بالبحث والتنقيب عن عيوب المسلمين وما خفي من أمورهم مما يسوءهم علم الناس به .

وقد جاء في هذا الحديث الوعيد الشديد لمن فعل ذلك بأن الله تعالى يفضحه ويكشف سوءاته للعباد ولو كان في أخفى مكان عن الأنظار .

وأخرج الحافظ أبو داود السجستاني رحمه الله من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من رأى عورة فسترها كان كمن أحيى موءودة"  ([6]) .

فالستر على المسلمين أمر مهم , فالإنسان ضعيف بطبعه ومعرَّض للنقائص والعيوب , فإذا وُفِّق المسلم بإخوة له يسترون عيوبه ويغضُّون الطرف عن نقائصه فإن وقوعه في تلك النقائص والعيوب لا يؤثر كثيرا على نفسيته , وقد شبَّه النبي صلى الله عليه وسلم عمل هؤلاء بعمل من أحيى موءودة قد جهزها وليها للوأد تحت الأرض , فالذين يسترون على المسلمين قد قاموا بإحيائهم مرة أخرى , لأن الحياة ليست حياة الأجسام فقط وإنما هي حياة المشاعر والأحاسيس .

أما إذا ابتُلي من وقع في شيء من العيوب والنقائص بالكشافين الذين أُولعوا بتتبع النقائص وكشف العيوب فإنه تتحطم نفسيته وتنجرح مشاعره , ويموت نفسيا قبل أن يموت جسديا , فهؤلاء عملهم كعمل الوائدين الذين يدفنون بناتهم وهن حيات , وكان هذا عمل بعض العرب في الجاهلية .

------------------------------

([1] )     سنن الترمذي , رقم 1920 , كتاب البر , باب 15 (4/321 ) .

([2] )     صحيح البخاري , رقم 6013 , كتاب الأدب , (10/438) .

([3] )     سنن الترمذي , رقم 1922 , كتاب البر , باب 16 ( 3234) .

([4] )     صحيح مسلم , رقم 2630 , كتاب البر , باب 46 (2027) .

          صحيح البخاري , رقم 5995 , كتاب الأدب , باب 18( 10/426) .

([5] )     سنن الترمذي , رقم 2032 , كتاب البر , باب 85 (4/378 ) .

([6] )     سنن أبي داود , رقم 4891 , كتاب الأدب , باب 45 (5/200) .



 

الكاتب: الشيخ د.عبد العزيز بن عبد الله الحميدي
التاريخ: 23/06/1427
تقييم:
  فتـــــــــاوى عــامة
  هيئات إسلامية
  فـقه النــــــــــوازل
  فقه الأقليــــــــــات
  دراســـات وبحوث
  دروس علميـــــــة
  محــــــــــــاضرات
  مقــــــــــــــــــالات
  قضـــــايا اسلامية
  متفرقـــــــــــــــات
  من سير العلمــاء
  حوارات ومقابلات
  علماء الموقع
  خريطة الموقع
حول الموقع
  الرسالة
  الأهداف
  الهيكل الإداري
  الهيئة التنفيذية
  الهيئة التأسيسية
كتب مختارة
دليل المواقع
صدر حديثاً
تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كلمة المرور
الانضمام إلى عضوية الموقع

تصميم الموقع
ما رأيك بتصميم الموقع الجديد؟
ممتاز
جيد جدا
جيد
(عرض النتائج)


مواقع إسلامية
إسلام أون لاين
الاسلام اليوم
الشبكة الاسلامية
إسلاميات
التأريخ
آفاق فكرية
الوسط
شبكة الإسلام

مواقع اخبارية
الجزيرة نت
مفكرة الاسلام

قوائم بريدية
اشترك الان في القائمة البريدية قوائم بريدية
البريد الإلكتروني
الجوال
الاسم

يتصفح الموقع الآن 15 ضيفاً
جميع الحقوق محفوظة . موقع علماء الشريعة . تصميم وتطوير مؤسسة التفكير العربي