كانت صلة أوروبا بالعالم الإسلامي طوال القرنين الماضيين صلة صدام عسكري وسياسي وفكري وديني، انتصر فيها الغرب الاستعماري الى حد كبير في أول الأمر مسيطراً على ديار الإسلام. ثم بدأ المسلمون يتحررون من الاستعمار الغربي ويحصلون على استقلالهم،
وبدأ نوع من التعايش بين العالم الغربي والعالم الإسلامي، والهجرة من بلاد المسلمين إلى الغرب وخصوصا المغرب العربي إلى فرنسا، ومن تركيا الى المانيا ومن بلاد الكومنولث (الهند الكبرى) الى بريطانيا، وهجرات عربية وإسلامية إلى بلاد أوروبية شتى.
وانضم المهاجرون من العالم الإسلامي الى المسلمين من أصل أوروبي، وكون هؤلاء وأولئك جميعاً «الأقلية المسلمة» في آوروبا. وبعد ان ادركت الصحوة المسلمين في اوروبا، طفقوا يكونون المؤسسات التي تحفظ عليهم هويتهم، وتساعدهم على أن يعيشوا بإسلامهم في وسط المجتمع الكبير من حولهم، غير مفرطين في أصولهم ولا منعزلين عن مجتمعاتهم، وهذه هى المعادلة الصعبة المطلوبة من كل الأقليات المسلمة، محافظة بلا انغلاق، واندماج بلا ذوبان.
وكان من المؤسسات المهمة والفاعلة التي أنشأتها الأقليات المسلمة في أوروبا، المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، والذي يضم عدداً من علماء الشرق، ممن يهتمون بالشأن الإسلامي في الغرب ليكون هذا المجلس مرجعية دينية للمسلمين، تعمل على توحيد الفتوى بينهم ما أمكن ذلك، وتبحث في المشكلات العويصة التي تعترض حياتهم وتحتاج إلى علاج من صيدلية الشريعة الغراء، بعيداً عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، هيئة علمية إسلامية متخصصة مستقلة، يتكون من مجموعة من العلماء يبلغ عددهم (32) عالماً، ويتخذ دبلن عاصمة جمهورية ايرلندا مقراً له.
وتلبية لدعوة اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا تم عقد اللقاء التأسيسي لـ«المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث» في لندن خلال الفترة من 21 - 22 ذي القعدة 1417ه (29- 30 مارس آذار 1997م) بحضور ما يزيد عن 15 عالماً، وتم خلال اللقاء اقرار مسودة الدستور لهذا المجلس او ما يطلق عليه «النظام الأساسي».
أهداف المجلس
ويلخص فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث الأهداف التي يتوخاها المجلس في النقاط التالية:
- إيجاد التقارب بين علماء الساحة الأوروبية، والعمل على توحيد الآراء الفقهية فيما بينهم، حول القضايا الفقهية المهمة.
- إصدار فتاوى جماعية تسد حاجة المسلمين في أوروبا وتحل مشكلاتهم، وتنظم تفاعلهم مع المجتمعات الأوروبية في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها.
- إصدار البحوث والدراسات الشرعية، التي تعالج الأمور المستجدة على الساحة الأوروبية بما يحقق مقاصد الشرع ومصالح الخلق.
- ترشيد المسلمين في أوروبا عامة وشباب الصحوة الإسلامية خاصة، وذلك عن طريق نشر المفاهيم الإسلامية الأصيلة والفتاوى الشرعية القويمة.
وسائل تحقيق الأهداف
من جانبه يوضح الدكتور عبد الحميد النجار رئيس لجنة البحوث في المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث والوسائل التي يسعى المجلس لتحقيق أهدافه من خلالها والتي عددها في النقاط التالية:
- تشكيل لجان متخصصة من بين أعضاء المجلس ذات مهمة مؤقتة أو دائمة، ويعهد إليها بالقيام بالأعمال التي تساعد على تحقيق أغراض المجلس.
- الاعتماد على المراجع الفقهية الموثوق بها، خاصة تلك التي تستند إلى الأدلة الصحيحة.
- الاستفادة من الفتاوى والبحوث الصادرة من المجامع الفقهية والمؤسسات العلمية الأخرى.
- بذل المساعي الحثيثة لدى الجهات الرسمية في الدول الأوروبية للاعتراف بالمجلس رسمياً، والرجوع اليه لمعرفة احكام الشريعة الإسلامية.
- اقامة دورات شرعية لتأهيل العلماء والدعاة.
- عقد ندوات لدراسة بعض الموضوعات الفقهية.
- إصدار نشرات وفتاوى دورية وغير دورية، وترجمة الفتاوى والبحوث والدراسات الى اللغات الأوروبية.
- إصدار مجلة باسم المجلس تنشر فيها مختارات من الفتاوى والبحوث والدراسات التي يناقشها المجلس والتي تحقق أهدافه.
وقد صدر العدد الأول من المجلة تحت عنوان «المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للافتاء والبحوث» في ربيع الثاني 1423ه (يونيو حزيران 2002م).
مصادر الفتوى وضوابطها
وعن مصادر الفتوى وضوابطها يقول الشيخ حسين محمد حلاوة الأمين العام للمجلس: يعتمد المجلس الأوروبي للافتاء والبحوث في اصدار الفتوى على مصادر التشريع الإسلامي المتفق عليها بين جمهور الأمة وهى القرآن الكريم والسنة المطهرة، والإجماع والقياس، ومصادر التشريع المختلف فيها كالاستحسان والمصلحة المرسلة وسد الذرائع والاستصحاب والعرف ومذهب الصحابي وشرع من قبلنا، وذلك بشروطها وضوابطها المعروفة عند أهل العلم، ولاسيما اذا كان في الأخذ بها مصلحة الأمة.
منهجية المجلس
وأوضح الشيخ حسين حلاوة ان منهجية المجلس ترتكز على اعتبار المذاهب الأربعة وغيرها من مذاهب أهل العلم ثروة فقهية عظيمة ويختار منها ما صح دليله وظهرت مصلحته ومراعاة الاستدلال الصحيح في الفتوى والعزو الى المصادر المعتمدة ومعرفة الواقع ومراعاة التيسير، ووجوب مراعاة مقاصد الشرع واجتناب الحيل المحظورة المنافية لتحقيق المقاصد.
طريقة إصدار الفتاوى والقرارات
واضاف الأمين العام للمجلس ان الفتاوى والقرارات يتم اصدارها باسم المجلس في الدورات العادية او الطارئة باجماع الحاضرين ان أمكن أو بأغلبية ثلثي الأعضاء الحاضرين، ويحق للمخالف من الأعضاء او المتوقف - إثبات موقفه، حسب الأصول المعمول بها في المجامع الفقهية.
وأشار الى أن النظام الأساسي للمجلس ينصب على أنه لايحق لرئيس المجلس ولا لعضو من اعضائه اصدار الفتاوى باسم المجلس ما لم يكن موافقاً عليها من قبل المجلس نفسه، ولكل منهم ان يفتي بصفته الشخصية من غير ان يذيل فتواه بصفة عضويته في المجلس أو ان يكتبها على أوراق المجلس الرسمية.
شروط العضوية
وأوضح الشيخ حسين حلاوة ان دستور المجلس نص على أنه يجب ان تجتمع عدة شروط للانضمام إلى عضوية المجلس وهى:
- أن يكون حاصلاً على مؤهل شرعي جامعي، أو ممن لزم مجالس العلماء وتخرج على أيديهم وله معرفة باللغة العربية.
- أن يكون معروفاً بحسن السيرة والالتزام بأحكام الإسلام وآدابه.
- أن يكون مقيماً على الساحة الأوروبية
- أن يكون جامعا بين فقه الشرع ومعرفة الواقع.
- أن توافق عليه الأكثرية المطلقة للأعضاء.
كما نص - والحديث للشيخ حسين حلاوة - دستور المجلس على أنه يحق لاعضاء المجلس اختيار بعض العلماء لعضوية المجلس من خارج الساحة الأوروبية ممن تجتمع فيهم شروط العضوية السابقة ما عدا شرط الاقامة على الساحة الاوروبية إذا وافقت عليهم الأغلبية المطلقة للاعضاء على أن لا يتجاوز عددهم ربع اعضاء المجلس. ويراعى في اختيار الاعضاء تمثيل الدول الأوروبية التي للمسلمين فيها وجود ظاهر كما يراعى تمثيل المدارس الفقهية المختلفة، ويعتمد في الترشيح لعضوية المجلس تزكية ثلاثة من اهل العلم الثقات المعروفين.
اللقاء الدوري للمجلس
وينص النظام الأساسي للمجلس على اجتماع دوري سنوي تعقده هيئته العامة، تتم فيه مناقشة البحوث المقدمة اليه في الموضوعات التي تمس اليها حاجة الجالية المسلمة في اوروبا مع تولي الاجابة عما يرد عليه من استفتاءات تتطلب الجواب الجماعي. ويجيز النظام الأساسي للمجلس الاستعانة بأهل الخير ودعوتهم لحضور دورة الانعقاد التي يعرض فيها ما يتعلق باختصاصاتهم من غير ان يكون لهم حقوق التصويت.
تسع دورات
وعقد المجلس الأوروبي للافتاء والبحوث ثماني دورات، تمت خلالها مناقشة عدة قضايا وموضوعات مما يهم الجماعة المسلمة والفرد المسلم في اوروبا، والاجابة عن عدد من الأسئلة الواردة والدورات التي عقدت كانت كالتالي:
- الدورة الأولى: في مدينة سراييفو بدولة البوسنة والهرسك في الفترة من 24 - 26 ربيع الثاني 1418 (28 - 30 اغسطس آب 1997م). وكانت باستضافة الدكتور مصطفى سريتش رئيس علماء البوسنة.
- الدورة الثانية: في مدينة دبلن بدولة ايرلندا في الفترة من 19 - 21 جمادى الآخرة 1419ه (9 - 11 اكتوبر تشرين أول 1998م) وذلك باستضافة هيئة المكتوم الخيرية في المركز الثقافي الإسلامي.
- الدورة الثالثة: في مدينة كولون بالمانيا في الفترة من 4 - 7 صفر 1420ه (19 - 22 مايو آيار 1999م) باستضافة جمعيات ملي بوروش التركية في اوروبا.
- الدورة الرابعة: في مقر المجلس في المركز الثقافي الإسلامي بدبلن في الفترة من 18 - 22 رجب 1420ه (27 - 31 اكتوبر تشرين أول 1999م) باستضافة هيئة المكتوم الخيرية.
- الدورة الخامسة: في مقر المجلس في المركز الثقافي الإسلامي بدبلن في الفترة من 30 المحرم حتى 3 صفر 1421ه (4 - 7 مايو آيار 2000م). باستضافة هيئة المكتوم الخيرية.
- الدورة السادسة: في مقر المجلس في المركز الثقافي الإسلامي بدبلن في الفترة من 28 جمادى الأولى الى 3 جمادى الآخرة 1421ه (28 اغسطس آب 1 سبتمبر ايلول 2000).
- الدورة السابعة: في مقر المجلس في المركز الثقافي الإسلامي بدبلن في الفترة من 29 شوال الى 3 ذي القعدة 1421ه (24 - 27 يناير كانون ثاني 2001م) باستضافة هيئة المكتوم الخيرية.
- الدورة الثامنة: في مدينة بلنسية في اسبانيا في الفترة من 26 ربيع الآخر 1 جمادى الأولى 1422ه (18 - 22 يوليو تموز 2001م) باستضافة المركز الثقافي الإسلامي.
الدورة التاسعة في العاصمة الفرنسية باريس يوم 13 تموز (يوليو) -جماد أول 1423 هجرية 2002
اللجان الفرعية
ونظراً لتباعد فترات انعقاد الاجتماع الدوري للمجلس، وانشغاله في اجتماعاته بمناقشة القضايا الأكثر أهمية، ورغبة منه في تلبية حاجة عموم المسلمين في اوروبا والتعجيل باجابة استفتاءاتهم فقد اعتمد المجلس في دورته الثامنة تأسيس لجنتين فرعيتين للفتوى احداهما في فرنسا والأخرى في بريطانيا باشرتا عملهما منذ ذلك الحين، كما انشأ المجلس لجنة للبحوث والدراسات تتولى إصدار مجلة المجلس.